نبض البلد -
بقلم المهندس عماد سعد
خبير الاستدامة والمسؤولية المجتمعية والتغير المناخي، رئيس شبكة بيئة ابوظبي
الانتقال إلى اقتصاد منخفض الكربون يبدو، من حيث المبدأ، خياراً يصعب الاختلاف عليه: طاقة أنظف، وانبعاثات أقل، ومدن أكثر كفاءة، وصناعات أكثر استدامة. لكن خلف هذا الهدف سؤال اقتصادي واجتماعي بالغ الأهمية: من سيدفع فاتورة هذا التحول، ومن سيحصل على عوائده؟
فالتحول يحتاج إلى استثمارات ضخمة في الطاقة المتجددة، وكفاءة الطاقة، والنقل، والصناعة، والبنية التحتية، والتكنولوجيا. وفي المقابل، قد تتراجع بعض الصناعات والوظائف المرتبطة بالاقتصاد التقليدي، بينما تظهر قطاعات ومهن وأسواق جديدة.
المشكلة تبدأ عندما تتوزع التكاليف والمنافع بصورة غير عادلة.
فإذا تحمل المستهلك محدود الدخل ارتفاع أسعار الطاقة أو النقل، بينما ذهبت الحوافز والعوائد إلى القادرين على الاستثمار في التقنيات النظيفة، فإننا نكون قد خفضنا الكربون، لكننا ربما عمّقنا الفجوة الاجتماعية. وإذا أغلقت منشآت عالية الانبعاثات دون تأهيل العاملين فيها للوظائف الجديدة، فإن التحول البيئي قد يتحول إلى مشكلة اقتصادية واجتماعية.
من هنا ظهر مفهوم "الانتقال العادل"؛ أي ألا يكون خفض الانبعاثات على حساب الإنسان، وأن تتوزع تكاليف التحول وفرصه بصورة أكثر إنصافاً.
وهذا مهم جداً للعالم العربي، حيث تختلف الدول في مواردها وقدراتها المالية وهياكل اقتصاداتها، كما تختلف داخل الدولة الواحدة قدرة الشركات والأفراد على تحمل تكلفة التحول. ولذلك لا يكفي تحديد أهداف لخفض الانبعاثات؛ بل يجب أن نسأل أيضاً عن الوظائف، والمهارات، والتمويل، والشركات الصغيرة، والأسر الأكثر تأثراً.
لكن التحول منخفض الكربون ليس فاتورة فقط؛ إنه أيضاً فرصة اقتصادية. فالاستثمار في الطاقة النظيفة وكفاءة الموارد والنقل المستدام والصناعات الخضراء يمكن أن يفتح أسواقاً جديدة، ويخلق وظائف، ويحفز الابتكار، ويخفض الاعتماد على تقلبات أسعار الطاقة والموارد.
والتحدي الحقيقي هو ضمان ألا تبقى هذه الفرص حكراً على من يمتلك رأس المال والتكنولوجيا.
لذلك، فإن نجاح الاقتصاد منخفض الكربون لن يُقاس فقط بكمية الانبعاثات التي تم خفضها، وإنما أيضاً بعدالة توزيع تكاليف التحول وعوائده.
فالمستقبل المستدام لا ينبغي أن يترك أحداً خلفه؛ لأن التحول الذي ينجح مناخياً ويفشل اجتماعياً لن يكون مستداماً في النهاية.