إلى معلّمينا الذين بقي أثرهم فينا

نبض البلد -
اللواء المتقاعد محمد بني فارس


في اليوم العالمي للمعلّم، تفتح الذاكرة أبوابها، وتعود وجوهٌ عزيزة من وراء السنين؛ وجوهٌ عرفتنا في أول الطريق، حين كانت أحلامنا صغيرةً، وخطواتنا متردّدة، والعالم أوسع من قدرتنا على فهمه. يعود صوتٌ ينادينا بأسمائنا، ويدٌ تصحّح أول ما كتبناه، وكلمةٌ تمنحنا الشجاعة لنحاول من جديد. ونجد أنفسنا، وقد كبرنا وتفرّقت بنا الدروب، مأخوذين بحنينٍ دافئ إلى الذين علّمونا وأدّبونا وأحسنوا إلينا.

نستعيد مقاعد الدراسة، والكتب التي حملناها إلى صدورنا، والسبورة التي شهدت حيرتنا وفهمنا، وتلك العيون التي تابعت محاولاتنا بصبر. كان معلّمونا يرون ما نجهله عن أنفسنا؛ استعدادًا ينتظر التشجيع، وموهبةً تحتاج إلى من يوقظها، وقدرةً يحجبها الخوف. وكم من كلمةٍ قالوها في أثناء درسٍ عابر بقيت معنا أعوامًا، نستند إليها كلما ثقلت الخطوة، ونستعيد دفأها حين نحتاج إلى الثقة.

كنّا يومها أصغر من أن ندرك مقدار ما يبذلونه. نضيق أحيانًا بواجبٍ طويل، أو بتوجيهٍ متكرّر، ثم تمضي الحياة وتعلّمنا كم يحتاج الأخذ بيد إنسانٍ إلى عنايةٍ وحلم. وحين نرافق أبناءنا في تعلّمهم، نفهم شيئًا من صبر معلّمينا علينا؛ كيف أعادوا الشرح، وتابعوا التعثّر، واحتملوا تشتّت الانتباه، وظلّوا يمنحوننا من وقتهم ما يعيننا على التقدّم. عندئذٍ يكبر امتناننا، ونودّ لو تعود بنا الأيام لحظةً لنقول لهم شكرًا ونحن نفهم معناها كاملًا.

ولكلٍّ منّا في ذاكرته معلّمٌ يستحق أن يُذكر بحب. معلّمٌ شجّع إجابةً خجولة، وآخر اكتشف جمالًا في سطرٍ كتبناه، ومعلّمةٌ انتبهت إلى حزن طالبٍ فأحسنت مواساته، وأستاذٌ وثق بنا فأسند إلينا مسؤوليةً صغيرة، فإذا بها توقظ فينا شعورًا جميلًا بالقدرة. قد يكون أصحاب تلك المواقف قد نسوها، فيما بقيت في نفوسنا حيّةً، كأن العناية الصادقة تعرف كيف تجد لنفسها مكانًا لا تبلغه يد النسيان.

وقد أخذنا عنهم من الأدب ما صاحبنا خارج أسوار المدرسة. تعلّمنا احترام الكبير، وحسن الإصغاء، والصدق في القول، والوفاء بالوعد. ورأينا في المخلصين منهم كيف يجتمع العلم والتواضع، وكيف يمنح العدل صاحبه محبةً راسخة. وما زال شيءٌ من توجيههم يحضر حين نؤدّي أمانةً، أو نراجع تصرّفًا، أو نختار كلمةً تصون خاطرًا،فنكتشف أن دروسًا قديمةً ما زالت تؤتي ثمرها في حياتنا.

ومن الوفاء أن نستذكر حزمهم العادل، ذلك الذي وجّهنا وحفظ كرامتنا، وحمّلنا مسؤوليةً أعانتنا على النضج. نستذكر الذين أحسنوا النصيحة، وصانوا خصوصية أخطائنا، ومنحونا فرصةً لإصلاحها. هؤلاء تركوا لنا، إلى جانب المعرفة، ذكرى طيّبةً عن أنفسنا في سنوات التعلّم؛ ذكرى نشعر فيها أننا كنّا جديرين بالعناية، وأن تعثّرنا لم يحجب عنهم ما يمكن أن نصير إليه.

واليوم، حين ننظر إلى ما بلغناه، يستحق معلّمونا أن يكون لهم مكانٌ في حكاية النجاح. فلهم فضلٌ في معرفةٍ ننتفع بها، وفي مهارةٍ نؤدّي بها أعمالنا، وفي ثقةٍ أعانتنا على خوض تجربةٍ جديدة. وربما بلغنا مواقع لم يرونا فيها، وحقّقنا أحلامًا لم يسمعوا بها، فيما ظلّ ما غرسوه حاضرًا في تفاصيل الطريق. ما أجمل أن يصل إليهم خبر الثمر، وأن يعرفوا أن تعبهم القديم ما زال يمنح الحياة خيرًا!

وللشكر جمالٌ يكتمل حين يصل إلى صاحبه. مكالمةٌ نسأل فيها عن معلّمٍ قديم، أو زيارةٌ نطمئن فيها عليه، أو رسالةٌ نستعيد فيها موقفًا عزيزًا، قد تملأ يومه فرحًا. ولعلّ أجمل ما يسمعه من طالبٍ كبر: "ما زلت أذكر فضلك، وما علّمتني إياه بقي معي”. كلماتٌ قليلة تحمل إلى صاحبها أعوامًا من الأثر، وتردّ إليه شيئًا من المحبة التي بذلها، وتخبره أن ما صنعه في أيامه ما زال يزهر في أيام غيره.

أما الذين رحلوا من معلّمينا، فلهم دعاءٌ يليق بجميل ما تركوا. نستعيد أسماءهم بمحبة، ونذكر محاسنهم لأبنائنا، ونترحّم على من كانوا يومًا جزءًا عزيزًا من صباحاتنا. رحم الله من علّمنا حرفًا، وهذّب فينا خلقًا، وأخلص لنا النصح؛ أولئك الذين مضوا، وبقيت كلماتهم تعرف الطريق إلى ذاكرتنا، وبقيت سيرتهم الطيّبة تمنح ذكرهم حياةً متجدّدة.

إلى معلّمينا ومعلّماتنا: شكرًا لصبركم، وللعناية التي أدركنا عمقها كلما تقدّم بنا العمر. شكرًا للفرص التي منحتمونا، وللثقة التي أودعتموها فينا، وللأدب الذي زيّنتم به معرفتنا. نذكركم اليوم بقلوبٍ يملؤها الاعتزاز، ونحفظ أسماءكم في ذاكرة الوفاء ،فقد أحسنتم إلينا في زمن البدايات، وما زال جميلكم يكبر معنا.

كل عامٍ وأنتم بخير؛ من يواصلون العطاء، ومن تقاعدوا بعد أعوامٍ من البذل، ورحمةٌ على من غابوا وبقي أثرهم. لكم منّا محبةٌ تحفظ الوجوه والأسماء، وامتنانٌ يجدّد العهد بصون الجميل. ومهما ابتعدت بنا الحياة عن مقاعد الدراسة، فإن في أعماقنا مكانًا عزيزًا لكم؛ نعود إليه، فنجد أنفسنا تلاميذَ مرةً أخرى، ونجدكم هناك، تأخذون بأيدينا إلى أول الضوء.