نبض البلد - د. خالد العاص
تعكس التوجيهات الملكية الأخيرة المتعلقة بتطوير القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، تحوّلًا نوعيًا في مقاربة الدولة لمفهوم الأمن الوطني، وانتقالًا من منطق الحفاظ على الجاهزية التقليدية إلى بناء قوة عسكرية مرنة وقادرة على التكيّف مع بيئات الصراع المتغيرة. فالمسألة لم تعد محصورة في تعزيز القدرات الدفاعية فحسب، بل في إعادة تعريف دور المؤسسة العسكرية ضمن معادلات الردع الإقليمي والحروب الحديثة.
ينطلق هذا التوجه من إدراك عميق لدى القيادة الأردنية، وعلى رأسها جلالة الملك، لطبيعة التهديدات التي تحيط بالأردن، سواء تلك المرتبطة بأمن الحدود، أو التحديات الناشئة عن التحولات التكنولوجية المتسارعة، واتساع مفهوم ساحة المعركة ليشمل الفضاء السيبراني والأنظمة غير المأهولة. وعليه، فإن الدعوة إلى إعداد استراتيجية شاملة وخارطة طريق زمنية للتحول البنيوي خلال السنوات الثلاث المقبلة، تعبّر عن وعي استباقي بضرورة الاستعداد لصراعات غير تقليدية، تتداخل فيها الأدوات العسكرية مع التكنولوجيا المتقدمة والمعلومات.
ويبرز في هذا السياق التأكيد على إعادة هيكلة القوات المسلحة بما ينسجم مع متطلبات الحروب الهجينة، حيث لا يكفي التفوق العددي أو التسليحي، بل يصبح العامل الحاسم هو الكفاءة، وسرعة الاستجابة، ومرونة القيادة والسيطرة. كما أن التركيز على بناء عقيدة قتالية واضحة لكل صنف من صنوف القوات المسلحة، يعكس توجهًا نحو الاحترافية المؤسسية، ويعزز القدرة على توظيف القدرات الدفاعية والهجومية بصورة أكثر فاعلية.
ومن الدلالات اللافتة في هذه الرؤية، إعطاء أولوية خاصة لمجالات التكنولوجيا العسكرية الحديثة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، والأنظمة المسيّرة، والعمليات السيبرانية. فهذا التوجه لا يضع الأردن فقط في موقع المتلقي للتكنولوجيا، بل يفتح الباب أمام بناء ميزة تنافسية في مجالات محددة من القتال العملياتي، بما ينسجم مع إمكاناته واحتياجاته الاستراتيجية.
كما تحظى منظومة الإسناد اللوجستي وقوات الاحتياط باهتمام واضح، في إشارة إلى أن الجاهزية القتالية لا تقتصر على الوحدات الميدانية، بل تشمل القدرة على الاستدامة، وتأمين خطوط الإمداد، والتكامل بين مختلف الأجهزة الأمنية والعسكرية، ضمن رؤية تعبويّة شاملة.
ولا يقل أهمية عن ذلك، البعد الاقتصادي – الصناعي في هذه الاستراتيجية، من خلال إعادة توجيه دور الصناعات الدفاعية الوطنية، وتطوير المركز الأردني للتصميم والتطوير ليكون نواة بحث وتصنيع عسكري متقدم. فهذا المسار يعزز الاستقلالية الاستراتيجية، ويحوّل التحديث العسكري إلى رافعة للتنمية التكنولوجية والاقتصادية في آن واحد.
في المحصلة، تعكس هذه التوجيهات رؤية سياسية – عسكرية متكاملة يقودها جلالة الملك عبد الله الثاني، تسعى إلى الحفاظ على مكانة الجيش الأردني كقوة محترفة وموثوقة، قادرة على حماية الأمن الوطني في بيئة إقليمية معقدة. وهي رؤية تؤكد أن تحديث الجيوش في العصر الحديث لم يعد خيارًا، بل ضرورة وجودية، تتطلب تخطيطًا طويل الأمد، واستثمارًا في الإنسان، والتكنولوجيا، والمؤسسة.