نبض البلد - د. خالد العاص
تكشف خريطة الصراعات في الشرق الأوسط عن مفارقة يصعب تجاهلها؛ فالدول العربية تمتلك إمكانات سياسية واقتصادية وعسكرية كبيرة، لكنها لم تنجح حتى الآن في تحويل اتفاقيات الدفاع المشترك وأطر التعاون القائمة إلى منظومة أمنية فاعلة، قادرة على الاستجابة الجماعية للتهديدات الإقليمية. وبين اتساع النفوذ الإيراني، واستمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية، وتدخل القوى الدولية، يبرز سؤال يتجاوز حدود الأزمات الراهنة: لماذا يبقى الأمن العربي عرضة لحسابات الآخرين رغم ما تمتلكه المنطقة من عناصر القوة؟
والمشكلة ليست في غياب الإمكانات العربية، وإنما في غياب تصور أمني يجمع هذه الإمكانات ضمن أولويات واضحة؛ إذ لا تزال الدول العربية تتعامل مع كثير من التهديدات بصورة منفردة، رغم أن تداعياتها تتجاوز الحدود الوطنية. فما يجري في البحر الأحمر أو الخليج أو فلسطين لا يقتصر أثره على الدول المعنية مباشرة، بل يمتد إلى حركة التجارة وأسواق الطاقة والاستثمار، وينعكس على الأمن الوطني والاستقرار في المنطقة بأكملها.
لقد كشفت السنوات الماضية أن الاعتماد على القوة العسكرية وحدها لم يحقق استقراراً دائماً؛ فالسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، واستمرار العمليات العسكرية وتوسيع نطاق المواجهات، لم تقدم حلاً سياسياً للصراع. وفي المقابل، أسهم اعتماد إيران على جماعات مسلحة خارج مؤسسات الدولة في تعقيد أزمات عدد من البلدان العربية وإضعاف قدرتها على حماية سيادتها. أما القوى الدولية، فقد تعاملت في أحيان كثيرة مع المنطقة وفق مصالحها الاستراتيجية، حتى عندما تعارضت تلك المصالح مع حاجة شعوبها إلى الأمن والاستقرار.
وأمام هذا الواقع، تبرز أهمية الدور الذي يمكن أن تؤديه السعودية ومصر في بناء موقف عربي أكثر تماسكاً، لكن أي تصور للأمن الإقليمي سيبقى ناقصاً إذا لم يأخذ في الاعتبار موقع الأردن ودوره، فالأردن ليس بعيداً عن بؤر التوتر، بل يقع في منطقة تتقاطع فيها تداعيات القضية الفلسطينية والأزمة السورية والتهديدات العابرة للحدود، ويعرف من تجربته أن حماية الاستقرار تتطلب يقظة أمنية وحضوراً سياسياً في الوقت نفسه.
ومن هنا، فإن المصلحة الأردنية تلتقي مع المصالح السعودية والمصرية في ضرورة الانتقال من التنسيق عند وقوع الأزمات إلى بناء آليات عربية مستمرة للتشاور وتبادل المعلومات وحماية الحدود والممرات التجارية؛ فالأمن العربي لا يمكن أن يقوم على بيانات التضامن وحدها، وإنما يحتاج إلى إجراءات عملية تجعل الاعتداء على أي دولة عربية أكثر كلفة، وتمنح الدبلوماسية قدرة حقيقية على منع التصعيد.
غير أن بناء قدرة عربية على الردع لا ينبغي أن يتحول إلى مشروع لمواجهة عسكرية مفتوحة؛ فالدخول في سباق تسلح جديد لن يعالج جذور الأزمات، وقد يستنزف الموارد التي تحتاجها الدول العربية للتنمية، والمطلوب هو قوة دفاعية تحمي السيادة، إلى جانب مسار سياسي يضع قواعد واضحة لعدم التدخل واحترام الحدود وتسوية النزاعات.
وتبقى القضية الفلسطينية الاختبار الأهم لأي مشروع جاد للأمن الإقليمي، فلا يمكن الحديث عن استقرار الشرق الأوسط مع استمرار الاحتلال وغياب أفق سياسي يضمن الحقوق الفلسطينية، وهذه مسألة ترتبط مباشرة بالأمن الوطني الأردني، مثلما تمس مستقبل العلاقات بين دول المنطقة.
إن التحدي الحقيقي أمام الأردن والسعودية ومصر وبقية الدول العربية ليس إثبات قدرتها على مواجهة الأزمات كلما اندلعت، بل امتلاك المبادرة لمنع اندلاعها أصلاً، وهذا يتطلب توافقاً عربياً لا يستثني الدبلوماسية ولا يتخلى عن أدوات الدفاع، ويجعل الشراكات الدولية وسيلة لدعم المصالح العربية لا بديلاً عن القرار العربي.