نبض البلد -
بقلم المهندس عماد سعد
خبير الاستدامة والمسؤولية المجتمعية والتغير المناخي، رئيس شبكة بيئة ابوظبي
على مدى سنوات، تمحور جانب كبير من خطاب الاستدامة حول سؤال واحد: كيف نخفض الانبعاثات الكربونية؟ فتسابقت الدول والشركات لإعلان أهداف الحياد الكربوني، وتوسعت الطاقة المتجددة، وتحسنت كفاءة الطاقة، وأصبح قياس الانبعاثات جزءاً أساسياً من استراتيجيات الأعمال. لكننا اكتشفنا تدريجياً أن معالجة أزمة المناخ وحدها لا تكفي إذا استمر العالم في استنزاف الطبيعة التي يعتمد عليها.
فقد ننجح في بناء اقتصاد منخفض الكربون، لكن ماذا لو تحقق ذلك بينما تتدهور التربة، وتتراجع موارد المياه، وتُفقد الموائل الطبيعية، ويتناقص التنوع البيولوجي؟
هنا يظهر التحول من التفكير في الكربون وحده إلى المناخ والطبيعة معاً.
فالطبيعة ليست ملفاً بيئياً منفصلاً عن الاقتصاد، بل هي البنية الأساسية التي توفر لنا الغذاء والماء والمواد الخام والتلقيح وخصوبة التربة والحماية من بعض المخاطر الطبيعية. وحين تتدهور هذه المنظومات، لا نخسر أنواعاً نباتية وحيوانية فقط، بل تتعرض سلاسل الإمداد والإنتاج الزراعي والأمن الغذائي والاستثمارات لمخاطر متزايدة.
والأهم أن المناخ والطبيعة مترابطان. فالغابات والأراضي الرطبة والتربة والنظم البحرية والساحلية تساعد على تخزين الكربون وبناء القدرة على التكيف مع آثار تغير المناخ، بينما يؤدي ارتفاع الحرارة والظواهر المناخية المتطرفة بدورها إلى زيادة الضغط على هذه النظم.
لذلك يتقدم عالمياً مفهوم "الإيجابية تجاه الطبيعة" أي ألا تكتفي التنمية بتقليل الضرر، بل تسهم أيضاً في وقف فقدان الطبيعة واستعادتها حيثما أمكن. وهذا يوسع مسؤولية المؤسسات من سؤال: كم نُصدر من الكربون؟ إلى أسئلة أخرى: كيف نستخدم الأرض والمياه؟ وكيف تؤثر عملياتنا وسلاسل توريدنا في النظم البيئية؟
وفي العالم العربي، تزداد أهمية هذا التحول مع تحديات التصحر وندرة المياه وتدهور الأراضي والضغط على النظم الساحلية والموارد الطبيعية. لذلك فإن حماية الطبيعة ليست ترفاً بيئياً، وإنما استثمار في الأمن المائي والغذائي والمرونة الاقتصادية.
لقد كانت الخطوة الأولى أن نتعلم قياس بصمتنا الكربونية، أما الخطوة التالية فهي أن نفهم بصمتنا على الطبيعة.
فالمستقبل المستدام لن يتحقق فقط عندما يصبح اقتصادنا أقل انبعاثاً للكربون، بل عندما يصبح أيضاً أكثر قدرة على العمل مع الطبيعة، لا على حسابها.