نبض البلد - يصبح الجسم أكثر إلحاحًا على طلب النوم كلما زادت ساعات الاستيقاظ، إذ يصل الجسم إلى مرحلة يصعب فيها مقاومة النعاس.
وكشف باحثون عن مجموعتين من الخلايا العصبية، في جذع الدماغ، يبدو أنهما تلعبان دوراً محورياً في تحويل ساعات الاستيقاظ الطويلة إلى رغبة متزايدة في النوم.
وقد يساعد هذا الاكتشاف على تفسير أحد أكثر الظواهر الأساسية في علم الأعصاب، والمتعلقة بالكيفية التي يعرف بها الدماغ أننا ظللنا مستيقظين لفترة طويلة، وأن وقت النوم قد حان.
وأظهرت الدراسة، المنشورة في دورية "Nature"، أن نشاط مجموعتين من الخلايا العصبية يزداد تدريجياً كلما طالت فترة بقاء الفئران مستيقظة، ثم ينخفض بعد بدء النوم.
ويعرف العلماء ظاهرة تسمى "ضغط النوم"، وهي الزيادة التدريجية في الحاجة إلى النوم مع استمرار الاستيقاظ، ولهذا تصبح مقاومة النعاس أكثر صعوبة بعد يوم طويل، كما يميل الشخص بعد الحرمان من النوم إلى النوم لفترة أطول وبعمق أكبر.
لكن الآلية التي يستخدمها الدماغ لقياس الوقت الذي قضاه الجسم مستيقظاً، ثم تحويل هذه المعلومة إلى حاجة فعلية للنوم، ظلت غير مفهومة بصورة كاملة.
وحدد الباحثون مجموعات عصبية "تراقب الاستيقاظ الممتد وتعمل بنشاط على تعزيز النوم"، واعتبروا أن النتائج توفر جزءاً مهماً كان مفقوداً لفهم سبب شعور الإنسان والحيوانات بالنعاس بعد الاستيقاظ فترة طويلة.
وقارن الباحثون أنماط نشاط الدماغ لدى الفئران في 3 أوضاع مختلفة؛ دورة النوم والاستيقاظ الطبيعية، والحرمان من النوم، ثم النوم التعويضي الذي يلي فترة من السهر.
وساعدت المقارنة على تحديد مناطق في الدماغ تغير نشاطها وفقاً لطول الفترة التي قضاها الحيوان مستيقظاً، وركز الباحثون بعد ذلك على منطقة في جذع الدماغ، وحددوا مجموعتين مختلفتين من الخلايا العصبية؛ الأولى خلايا تستخدم الناقل العصبي GABA، والثانية خلايا سيروتونينية تستخدم السيروتونين في الاتصال العصبي.
ووجد الباحثون أن نشاط المجموعتين زاد كلما طال بقاء الفئران مستيقظة، ثم بدأ في التراجع بعد دخولها في النوم، ما أثار سؤالاً أساسياً؛ هل كانت هذه الخلايا مجرد مؤشر على أن الحيوان مستيقظ، أم أنها تشارك بالفعل في توليد الحاجة إلى النوم؟
وجاءت التجارب اللاحقة لتشير إلى الدور الثاني؛ فعندما حفز العلماء المجموعتين العصبيتين بصورة اصطناعية، نامت الفئران لفترة أطول وأصبح نومها أعمق، في نمط يشبه النوم التعويضي الذي يحدث عادة بعد الحرمان لفترة طويلة من النوم.
وعندما ثبَّط الباحثون نشاط الخلايا نفسها، انخفض النوم بدرجة كبيرة، وأصبحت الحيوانات قادرة على الحفاظ على حالة من اليقظة لفترة أطول، وقال الباحثون إن النتائج تشير إلى أن هذه الخلايا "لا تشير فقط إلى أن الحيوان ظل مستيقظاً"، وإنما تلعب دوراً أساسياً في دفع الدماغ نحو النوم.
وبذلك، تضيف النتائج أدلة على وجود دائرة عصبية لا تكتفي بتسجيل الاستيقاظ، وإنما تعمل تدريجياً على جعل النوم أكثر إلحاحاً كلما طالت فترة السهر.
وكانت إحدى أكثر النتائج إثارة للانتباه عندما ثبّط الباحثون المجموعتين العصبيتين لفترات طويلة؛ إذ انخفض مقدار النوم لدى الفئران بنحو 70% مقارنة بالمعتاد، وهو ما يشير إلى أن هذه الخلايا لا تتحكم فقط في توقيت النوم، وإنما قد تكون جزءاً أساسياً من الآلية التي يتراكم من خلالها "دين النوم" مع مرور ساعات الاستيقاظ.
والأكثر إثارة للدهشة أن معظم الحيوانات لم تظهر بعض الاضطرابات السلوكية الشديدة التي ترتبط عادة بالحرمان الطويل من النوم.
ولا تعني النتيجة أن النوم غير ضروري، أو أن تعطيل هذه الخلايا يمكن أن يسمح للبشر بالاستغناء عنه، فالتجارب أجريت على الفئران، كما أن النوم يؤدي وظائف بيولوجية واسعة تشمل الدماغ، والتمثيل الغذائي، والمناعة، وأجهزة أخرى في الجسم، ولا تزال العواقب طويلة الأجل لتعطيل دائرة ضغط النوم بحاجة إلى دراسة.
لكن التجربة تفتح أمام الباحثين طريقة جديدة لدراسة الفرق بين مقدار النوم الذي يحصل عليه الكائن الحي وبين الإحساس البيولوجي بالحاجة إليه.
وتشير الدراسة إلى أن الرغبة الشديدة في النوم، بعد ليلة من السهر، قد لا تكون مجرد نتيجة عامة لإرهاق الدماغ، بل حصيلة نشاط دوائر عصبية محددة تزداد قوتها مع كل ساعة إضافية نقضيها مستيقظين.