العقبة… عندما تتحول البيئة إلى قوة وطنية

نبض البلد -
بقلم : هاني الدباس 

لا يُقاس إدراج محمية العقبة البحرية ضمن شبكة المحميات البحرية العالمية التابعة لليونسكو بقيمة التصنيف ذاته، بل بما يجسده من تحول استراتيجي يرسخ مكانة الأردن شريكاً فاعلاً في صياغة مستقبل الاستدامة البيئية عالمياً. فحماية الموارد الطبيعية لم تعد شأناً بيئياً فحسب، بل أصبحت ركيزة للأمن الاقتصادي، والسيادة على الموارد، والتنمية المستدامة.

ويكرّس هذا الإنجاز العقبة نموذجاً عالمياً تتكامل فيه البيئة مع الاقتصاد، والاستثمار مع المسؤولية، ويؤكد أن الأردن لا يمتلك ثروة بحرية استثنائية فحسب، بل يمتلك أيضاً القدرة المؤسسية والرؤية التي تؤهله لإدارتها وفق أعلى المعايير الدولية وتحويلها إلى قيمة وطنية ذات أثر عالمي.

وتكتسب المحمية أهمية استثنائية في ظل التغيرات المناخية المتسارعة، إذ تحتضن أحد أكثر النظم المرجانية قدرة على الصمود، ما يجعلها مرجعاً علمياً عالمياً ومختبراً طبيعياً لفهم مستقبل الشعاب المرجانية وحمايتها.

غير أن جوهر هذا الإنجاز لا يكمن في الحماية وحدها، بل في إعادة صياغة العلاقة بين البيئة والتنمية، حيث تتحول الموارد الطبيعية إلى أصول اقتصادية مستدامة، وتغدو السياحة البيئية والبحث العلمي والابتكار البيئي محركات للنمو، ومصادر لجذب الاستثمار وتعزيز تنافسية الأردن.

ومع تسارع الاهتمام العالمي بالاقتصاد الأزرق، تبرز أمام الأردن فرصة استراتيجية لترسيخ العقبة مركزاً إقليمياً للمعرفة والبحث العلمي، وسياحة الغوص، والاستثمارات البيئية، والصناعات المرتبطة بالبحر، بما يحقق قيمة اقتصادية مستدامة ويخلق فرصاً نوعية للأجيال القادمة.

ويبقى نجاح هذا الاعتراف الدولي مرهوناً بقدرتنا على تحويله إلى إنجاز تنموي ملموس، من خلال إشراك المجتمع المحلي، وتعزيز البحث العلمي، ودعم الممارسات المستدامة، واستقطاب استثمارات تحقق التوازن بين حماية البيئة وتعظيم العائد الاقتصادي.

ويمثل هذا الإنجاز امتداداً للرؤية الملكية التي جعلت الاستدامة وصون الموارد الطبيعية جزءاً أصيلاً من مسيرة التنمية الوطنية. فإدراج محمية العقبة البحرية ليس مجرد شهادة دولية، بل إعلان عالمي عن نموذج أردني أثبت أن الاستثمار في الطبيعة هو الاستثمار الأكثر استدامة في المستقبل.

واليوم، لا تقدم العقبة للعالم شاطئاً وشعاباً مرجانية فريدة فحسب، بل تقدم نموذجاً حضارياً يؤكد أن حماية البيئة يمكن أن تكون بوابة للازدهار الاقتصادي، وريادة البحث العلمي، وتعزيز المكانة الدولية. وهنا تكمن القيمة الحقيقية لهذا الإنجاز.