د.عمار محمد الرجوب

"الوجود المعلّق بين نعم و لا هل الأخلاق اختراع بشري أم قانون يسبق الإنسان؟"

نبض البلد -
ليست أعظم الأسئلة التي واجهت الإنسان تلك التي تعلقت بكيفية العيش، بل تلك التي سألته لماذا ينبغي أن يعيش بطريقة دون أخرى. فمنذ اللحظة التي أدرك فيها ذاته، بدأ يحمل في داخله ميزاناً غامضاً، يزن به أفعاله وأفعال الآخرين، دون أن يعرف على وجه اليقين من أين جاء هذا الميزان، ومن الذي أودعه في أعماقه. أهو قانون كوني سابق لوجود الإنسان، أم أنه صناعة بشرية فرضتها ضرورات الاجتماع وتقلبات التاريخ؟ إنه سؤال لم يبرح ضمير الإنسانية، لأن الإجابة عنه لا تحدد فهمنا للأخلاق فحسب، بل تحدد شكل الحضارة التي نبنيها، والإنسان الذي نريد أن نكونه.
إن الأخلاق ليست مسألة فلسفية معزولة عن الواقع، بل هي البنية الخفية التي تقوم عليها السياسة حين تبحث عن العدالة، والاقتصاد حين يوازن بين الربح والكرامة، والمجتمع حين يصون العلاقات، والثقافة حين تحافظ على هوية الإنسان في وجه العدم. ولذلك فإن انهيار الأخلاق لا يبدأ عندما تُخرق القوانين، بل عندما تصبح القوانين نفسها أداة لتبرير المصالح، ويصبح الحق تابعاً للقوة، لا القوة خاضعة للحق.
لقد تبدلت الشرائع، وتغيرت الأنظمة، وتعاقبت الإمبراطوريات، واختلفت الثقافات في تعريف الفضيلة والرذيلة. فما كان محرماً في عصر، أصبح عادياً في عصر آخر، وما عُدّ بطولة في مكان، اعتُبر جريمة في مكان آخر. ومن هنا نشأت الفكرة التي ترى أن الأخلاق ليست سوى اتفاق بشري مؤقت، فرضته الحاجة إلى تنظيم المجتمع، وأن الإنسان لو عاش منفرداً لما احتاج إلى منظومة أخلاقية أصلاً.
لكن هذا التصور، رغم ما يحمله من منطق، يصطدم بحقيقة يصعب تجاوزها؛ فمن أين يأتي ذلك الألم الذي يشعر به الإنسان بعد ارتكاب الخطأ حتى إذا لم يره أحد؟ ومن أين يولد الإحساس بالندم، والرغبة في التكفير، والاستعداد للتضحية من أجل غريب لا تربطنا به مصلحة؟ إن في داخل الإنسان محكمة لا تخضع لقانون، وقاضياً لا تعينه سلطة، وصوتاً لا يستطيع إسكاته مهما ازدحم بالضجيج.
إن الأخلاق ليست عدواً للغرائز، بل هي الفن الذي يحول الغريزة إلى قيمة، والقوة إلى مسؤولية، والحرية إلى أمانة. فالإنسان لا يصبح عظيماً لأنه قادر على البطش، بل لأنه قادر على كبح بطشه حين يستطيع أن يبطش. وهنا تتجلى قيمة الضمير، لأنه الحارس الذي يبقى مستيقظاً حتى عندما تنام القوانين.
ولعل أخطر ما يواجه عالمنا اليوم ليس اختلاف الناس حول تعريف الخير، بل اعتيادهم تبرير الشر. فقد أصبح الكذب يوصف بالذكاء، والانتهازية بالحكمة، والفساد بالواقعية، والخداع بحسن الإدارة. وعندما تُبدَّل أسماء الأشياء، تبدأ المجتمعات بفقدان قدرتها على رؤية الحقيقة، فتتآكل من الداخل وهي تظن أنها تتقدم.
إن الأمم لا تبدأ بالسقوط عندما تخسر حروبها، بل عندما تفقد قدرتها على التمييز بين ما يجوز وما لا يجوز. فكل حضارة صنعت مجدها بالقيم قبل القوة، وبالثقة قبل الثروة، وبالضمير قبل السلاح. وما نشهده اليوم من اضطراب سياسي، واختلال اقتصادي، واستقطاب اجتماعي، وانقسام ثقافي، ليس سوى انعكاس لأزمة أخلاقية تتخفى خلف شعارات الحداثة والتقدم. فحين يصبح كل شيء قابلاً للبيع والشراء، حتى المبادئ، يغدو الإنسان أغنى مادياً، لكنه أفقر وجودياً، ويعيش وفرة في الوسائل وفقراً في المعنى.
لقد منح العصر الحديث الإنسان قدرة هائلة على السيطرة على العالم، لكنه لم يمنحه القدرة ذاتها على السيطرة على نفسه. فالتكنولوجيا سبقت الحكمة، والمعرفة سبقت الضمير، والسرعة سبقت البصيرة. ولهذا لم تعد أزمة البشرية أزمة نقص في العلم، بل أزمة نقص في الوعي الذي يهدي العلم إلى غايته الإنسانية.
وأرى أن الأخلاق ليست قيوداً تكبل الحرية، بل الجسر الذي يمنع الحرية من السقوط في هاوية الفوضى. فليس كل ما نستطيع فعله يليق بنا أن نفعله، وليس كل ما يحقق المنفعة يستحق أن يصبح مبدأ. فالقوة التي لا يحكمها الضمير تتحول إلى استبداد، والثروة التي لا يرافقها العدل تتحول إلى احتكار، والحرية التي لا يسندها الوعي تتحول إلى فوضى تلتهم أصحابها قبل غيرهم.
وأقول أنا:
"ليست الحضارات ما تبنيه الأيدي، بل ما يحرسه الضمير، فإذا مات الضمير، أصبحت أعظم المدن أطلالاً مؤجلة، ولو ازدحمت بالزجاج والحديد."
وفي نهاية المطاف، سيظل الإنسان واقفاً بين "نعم" و"لا"، بين ما يشتهي وما ينبغي، وبين ما يستطيع فعله وما يجب أن يفعله. ولن تحسم هذه المعركة قوة السلاح، ولا وفرة المال، ولا صخب الشعارات، بل سيحسمها الضمير حين يبقى قادراً على قول "لا" في زمن يتقن الجميع تبرير الخطأ.
إن التاريخ لا يتذكر الأمم بما امتلكته من ثروات، بل بما تركته من قيم، ولا يخلّد الشعوب لأنها كانت الأقوى، بل لأنها كانت الأصدق مع نفسها. وحين تنطفئ آخر شمعة في ضمير الإنسان، لن يكون الخراب سقوط مدينة أو انهيار اقتصاد، بل سيكون سقوط المعنى ذاته، وعندها لن يبقى السؤال: كيف نعيش؟ بل هل ما زلنا نستحق أن نُسمّى بشراً؟

بقلمي 🖋️ د. عمّار محمد الرجوب