نبض البلد -
بقلم المهندس عماد سعد
خبير الاستدامة والمسؤولية المجتمعية والتغير المناخي، رئيس شبكة بيئة ابوظبي
عندما تسمع شركة صغيرة كلمة «الاستدامة»، قد تتبادر إلى ذهن صاحبها مشروعات الطاقة الشمسية، وتقارير الاستدامة المعقدة، والاستشاريون، والشهادات البيئية، والاستثمارات التي تحتاج إلى ميزانيات كبيرة. ومن هنا ينشأ اعتقاد شائع بأن الاستدامة ترف تستطيع الشركات الكبرى تحمله، بينما تنشغل الشركات الصغيرة بالبقاء في السوق.
لكن ماذا لو كانت الاستدامة نفسها وسيلة للبقاء؟
بالنسبة للشركات الصغيرة والمتوسطة، لا تبدأ الاستدامة بتقرير من مئة صفحة، بل بسؤال بسيط: كيف نحقق قيمة أكبر بموارد أقل؟
خفض استهلاك الكهرباء والمياه يقلل المصروفات. وتقليل الهدر في المواد يحسن الكفاءة. وإدارة المخزون بصورة أفضل تخفض الخسائر. واختيار موردين محليين عندما يكون ذلك ممكناً قد يقلل مخاطر سلاسل الإمداد. كما أن الاهتمام بالعاملين وبيئة العمل يعزز الاستقرار والإنتاجية، بينما بناء الثقة مع المجتمع والعملاء يحمي السمعة ويقوي العلاقة بالسوق.
هكذا تصبح الاستدامة ممارسة إدارية قبل أن تكون شعاراً بيئياً.
والأهم أن الأسواق نفسها تتغير. فالشركات الكبرى والمؤسسات المالية والجهات الحكومية تتجه بصورة متزايدة إلى إدخال معايير بيئية واجتماعية في قراراتها وسلاسل توريدها. وهذا يعني أن الشركة الصغيرة التي تبدأ اليوم في قياس استهلاكها وتحسين كفاءتها وتوثيق ممارساتها ستكون أكثر استعداداً للمنافسة والدخول في سلاسل قيمة جديدة غداً.
وفي الاقتصادات العربية، حيث تشكل الشركات الصغيرة والمتوسطة جزءاً أساسياً من النشاط الاقتصادي وفرص العمل، لا يمكن تحقيق تحول حقيقي نحو اقتصاد مستدام إذا بقيت الاستدامة محصورة في الشركات الكبرى.
لكن الخطأ هو مطالبة المشروع الصغير بأن يتصرف مثل مؤسسة عالمية. المطلوب استدامة متناسبة مع الحجم والقدرة والمخاطر: البدء بما يمكن قياسه وتحسينه، ثم التدرج خطوة بعد أخرى.
قد تبدأ الرحلة بعداد الكهرباء، أو فاتورة المياه، أو كمية النفايات، أو سياسة شراء مسؤولة، ثم تتحول بمرور الوقت إلى ثقافة إدارية كاملة.
لذلك، فالسؤال ليس: هل تستطيع الشركات الصغيرة تحمل تكلفة الاستدامة؟ بل: هل تستطيع مستقبلاً المنافسة من دونها؟
فالاستدامة بالنسبة للشركة الصغيرة ليست أن تفعل كل شيء دفعة واحدة، وإنما أن تبدأ اليوم بقرار صغير يخفض التكلفة، ويحسن الكفاءة، ويبني شركة أكثر قدرة على الصمود غداً.