نبض البلد - من شاشة الحاسوب إلى قاعة المساهمين
من حق المساهم أن يسأل، ومن واجب الإدارة أن تجيب، ومن حق السوق أن يعرف، ومن واجب الشركات المساهمة العامة أن تفتح أبواب الحوار والمساءلة والشفافية أمام أصحاب رأس المال الحقيقيين: المساهمين.
ومن هنا يأتي السؤال الذي أطرحه اليوم، كمواطن اعلامي وأكاديمي لا يوجد لدي اي مصلحه ولا املك سهما واحدا في أي شركه ولكنني ومتابع للشأن الاقتصادي وسوق الشركات منذ عام ١٩٧٩ في الإعلام الرسمي في مؤسسة الاذاعه والتلفزيون وعملت رئيسا للبرامج التنمويه في إذاعة المملكه الاردنيه الهاشميه لسنوات طويله :
لماذا ما زالت اجتماعات الهيئات العامة في عدد من الشركات المساهمة العامة تُعقد إلكترونيًا، رغم انتهاء الظروف الاستثنائية لجائحة كورونا التي فرضت هذا النمط من الاجتماعات؟
لقد كانت الاجتماعات الإلكترونية في زمن الجائحة ضرورة فرضتها ظروف صحية استثنائية، وكانت الدولة مضطرة إلى حماية المواطنين واستمرار عمل الشركات والمؤسسات في الوقت نفسه.
لكن الظروف تغيرت.
كورونا انتهت كحالة طوارئ صحية، وعادت الجامعات والمدارس والمؤسسات والندوات والمؤتمرات والاجتماعات إلى قاعاتها، فلماذا لا يعود المساهمون أيضًا إلى قاعات شركاتهم؟
الاجتماع العام ليس مجرد إجراء للتصويت
المشكلة في النظر إلى اجتماع الهيئة العامة باعتباره مجرد رابط إلكتروني يدخل إليه المساهم، ويصوّت على بنود جدول الأعمال، ثم ينتهي الاجتماع.
الاجتماع العام أكبر من ذلك بكثير.
إنه المكان الذي يلتقي فيه مجلس الإدارة بالمساهمين وجهًا لوجه.
وهو المكان الذي يستطيع فيه المساهم الصغير أن يستمع إلى رئيس مجلس الإدارة، والمدير العام، والمدقق، وأعضاء مجلس الإدارة، وأن يرى ردود الأفعال، وأن يطرح السؤال، وأن يسمع الإجابة أمام بقية المساهمين.
هناك فرق كبير بين أن يكتب المساهم سؤالًا إلكترونيًا وينتظر الإجابة، وبين أن يقف في قاعة الاجتماع ويقول:
لماذا انخفضت الأرباح؟
لماذا ارتفعت المصروفات؟
لماذا انخفض سعر السهم؟
ما الخطة المستقبلية؟
هل هناك خسائر؟
هل هناك تضارب مصالح؟
كيف اتخذ مجلس الإدارة هذا القرار؟
هذه هي روح الشركة المساهمة العامة.
قانون الشركات جعل الهيئة العامة صاحبة دور حقيقي
قانون الشركات الأردني رقم 22 لسنة 1997 وتعديلاته هو الإطار التشريعي الأساسي الذي ينظم عمل الشركات، ودائرة مراقبة الشركات نفسها تؤكد أن من مهامها الإشراف على اجتماعات الهيئات العامة للشركات المساهمة العامة.
كما أن دائرة مراقبة الشركات تضع ضمن خدماتها الاستعلام عن اجتماعات الهيئات العامة، وتنشر إعلانات الشركات واجتماعاتها، بما يؤكد أن الاجتماع ليس شأنًا داخليًا هامشيًا، وإنما جزء من منظومة الحوكمة والرقابة على الشركات.
والأهم أن الإجراءات التي نظمت الاجتماعات الإلكترونية اشترطت توفير وسائل للمساهمين للحضور والتصويت وطرح الأسئلة والاستفسارات، ما يعني أن المشاركة والمساءلة وحق السؤال ليست أمورًا ثانوية، وإنما عناصر أساسية في الاجتماع.
وهنا يأتي السؤال:
إذا كانت هذه الحقوق مهمة إلى هذه الدرجة، أليس الاجتماع الوجاهي هو البيئة الطبيعية والأكثر مباشرة لممارستها؟
من المساهم الصغير إلى أكبر مساهم... الجميع في قاعة واحدة
من أجمل ما في الاجتماع الوجاهي أنه يحقق مبدأ المساواة في الحوار.
المساهم الكبير موجود.
والمساهم الصغير موجود.
المؤسسون موجودون.
مجلس الإدارة موجود.
الإدارة التنفيذية موجودة.
المدقق موجود.
وممثل الجهة الرقابية موجود.
وهنا يتشكل الرأي والرأي الآخر.
المساهم الذي يملك سهمًا واحدًا يشعر أنه شريك، وليس مجرد رقم في قاعدة بيانات إلكترونية.
والمساهم الذي يملك ملايين الأسهم يعلم أن قراراته ومواقفه أمام بقية المساهمين.
وهذا في حد ذاته تعزيز للحوكمة والشفافية والمساءلة.
الاجتماع الوجاهي يحرك السوق قبل أن يحرك القاعة
اجتماعات الشركات المساهمة العامة ليست مناسبة قانونية فقط، بل يمكن أن تكون حدثًا اقتصاديًا.
فالإعلان عن الاجتماعات وجدول أعمالها، والنتائج المالية، والتوزيعات، وانتخاب مجالس الإدارة، والخطط المستقبلية، والقرارات المتعلقة برأس المال والاستثمارات، كلها معلومات تهم المستثمرين والسوق.
ولهذا فإن موسم اجتماعات الهيئات العامة يمكن أن يتحول إلى موسم اقتصادي حقيقي:
حركة مساهمين.
حركة شركات.
حركة قاعات وفنادق ومراكز مؤتمرات.
حركة إعلام اقتصادي.
حركة نقاش حول الشركات.
وحركة في سوق رأس المال.
وبحسب الأرقام المتداولة عن عدد الشركات في المملكة، فإن اتساع قاعدة الشركات يجعل هذا النشاط الاقتصادي والاجتماعي قابلًا لأن يكون له أثر ملموس، لا سيما إذا عادت الاجتماعات إلى طبيعتها الحضورية مع الإبقاء على الخيار الإلكتروني كوسيلة مساندة لمن يتعذر عليه الحضور.
الإلكتروني مفيد... لكن لا يجب أن يلغي الإنسان
أنا لست ضد التكنولوجيا.
بل على العكس.
التحول الرقمي ضرورة، والاجتماع الإلكتروني يمكن أن يكون ممتازًا للمساهم الموجود خارج الأردن، أو المريض، أو المسافر، أو الذي يتعذر عليه الوصول إلى مكان الاجتماع.
ولكن السؤال ليس:
إلكتروني أم وجاهي؟
بل:
لماذا لا يكون الاثنان معًا؟
لماذا لا تعقد الشركة اجتماعها وجاهيًا وحضوريًا، وتتيح في الوقت نفسه المشاركة الإلكترونية للمساهمين الذين لا يستطيعون الحضور؟
بهذا نحقق أفضل ما في النموذجين:
إنسانية الاجتماع الوجاهي + قوة التكنولوجيا.
لماذا نخشى من الأسئلة؟
الشركة القوية لا تخشى مساهميها.
ومجلس الإدارة الواثق من قراراته لا يخشى السؤال.
والإدارة الناجحة لا تنزعج من النقد المهني.
بل إن الأسئلة الصعبة قد تكون أحيانًا أفضل خدمة تقدم للشركة؛ لأنها تكشف الخلل قبل أن يتحول إلى أزمة.
ولهذا فإنني أرى أن الاجتماع الوجاهي ليس عبئًا على الشركة، وإنما اختبار سنوي حقيقي لقوة الإدارة وثقة المساهمين بها.
الإدارة التي تستطيع الوقوف أمام المساهمين والإجابة عن أسئلتهم بكل وضوح هي إدارة تعزز الثقة.
أما تحويل الاجتماع إلى إجراء شكلي سريع، فذلك يضعف أحد أهم أدوات الرقابة التي يملكها المساهم.
كورونا كانت استثناءً... والاستثناء لا ينبغي أن يتحول إلى قاعدة دائمة
الإجراءات الرسمية التي نظمت الاجتماعات المرئية والإلكترونية جاءت في سياق استثنائي مرتبط بجائحة كورونا وأوامر الدفاع والظروف الصحية العامة، بل نصت الإجراءات المنشورة رسميًا في ذلك الوقت على إعادة النظر في التعديل في ضوء تطورات الوضع الوبائي.
واليوم، وبعد عودة الحياة العامة إلى طبيعتها، وبعد عودة الاجتماعات والمؤتمرات والجامعات والمدارس والأنشطة الاقتصادية والاجتماعية إلى العمل الحضوري، يصبح من المشروع جدًا طرح السؤال:
هل ما زالت الحاجة الاستثنائية التي بررت هذا الأسلوب قائمة؟
إذا كانت الإجابة: لا، فلماذا لا نعيد الأصل؟
والأصل في رأيي أن تكون الهيئة العامة اجتماعًا حقيقيًا يلتقي فيه المساهمون، مع استخدام التكنولوجيا كأداة مساعدة وليس بديلًا دائمًا عن اللقاء المباشر.
دعوة إلى دائرة مراقبة الشركات
من هنا أتوجه باحترام إلى دائرة مراقبة الشركات، وإلى وزارة الصناعة والتجارة والتموين، وإلى هيئة الأوراق المالية وبورصة عمان، وإلى مجالس إدارات الشركات المساهمة العامة:
اقترح
افتحوا حوارًا حول مستقبل اجتماعات الهيئات العامة.
ليس المطلوب إلغاء الاجتماعات الإلكترونية.
وليس المطلوب تجاهل التطور التكنولوجي.
المطلوب هو إعادة التوازن.
اجتماع وجاهي معلن، مفتوح للمساهمين، واضح جدول الأعمال، مع بث إلكتروني ومشاركة عن بُعد لمن يتعذر عليه الحضور.
وهكذا نضمن:
الحضور + المشاركة + التصويت + الشفافية + التكنولوجيا.
ولماذا لا نعتبر موسم اجتماعات الشركات موسمًا اقتصاديًا؟
إذا كانت لدينا قاعدة واسعة من الشركات المساهمة، فلماذا لا ننظر إلى اجتماعاتها كجزء من النشاط الاقتصادي الوطني؟
لماذا لا تشارك وسائل الإعلام الاقتصادية في تغطيتها؟
لماذا لا تنشر الشركات قبل الاجتماع ملخصًا واضحًا لأبرز نتائجها؟
لماذا لا تكون هناك جلسات حوار حقيقية مع المساهمين؟
لماذا لا تتحول قاعات الاجتماعات إلى مساحة للرأي والرأي الآخر؟
فالشركة المساهمة العامة ليست ملكًا لمجلس إدارتها وحده.
إنها ملكية موزعة بين المساهمين، ومجلس الإدارة مؤتمن على إدارة هذه الملكية.
وهنا تأتي أهمية أن يلتقي الأمين بصاحب المال.
ولهذا
أنا لا أدعو إلى العودة إلى الماضي.
أنا أدعو إلى تطوير المستقبل.
والتطوير لا يعني أن نستبدل الإنسان بالشاشة.
بل أن نجعل التكنولوجيا في خدمة الإنسان.
لقد أثبتت جائحة كورونا أن الاجتماعات الإلكترونية يمكن أن تكون ضرورة وحلًا في الظروف الاستثنائية.
لكن بعد انتهاء الاستثناء، يجب أن نسأل أنفسنا:
هل نريد شركة يلتقي فيها المساهمون عبر شاشة فقط، أم شركة يلتقي فيها الإنسان بالإنسان، ويسأل المسؤول أمام الجميع، وتسمع الإدارة صوت المساهم، وتتشكل أمام العيون عملية المساءلة والشفافية؟
إنني أرى أن الاجتماع الوجاهي للهيئة العامة ليس ترفًا ولا عودة إلى الوراء، بل هو ممارسة حقيقية للحوكمة.
ولذلك أقترح:
عودة اجتماعات الشركات المساهمة العامة إلى الأصل الوجاهي، مع الإبقاء على المشاركة الإلكترونية كخيار مكمل، لا كبديل عن اللقاء المباشر.
فالشركة القوية لا تخشى أن تفتح أبوابها لمساهميها.
**والإدارة الواثقة لا تخشى السؤال.
والشفافية الحقيقية لا تعيش خلف الشاشة فقط.**
بل تبدأ عندما يجلس المساهم والمسؤول في قاعة واحدة، وجهًا لوجه، ويسأل الأول... ويجيب الثاني.
ولهذا اقترح أن يصدر قرار من الحكومه بعقد جميع اجتماعات .
" الشركات المساهمة العامة المدرجة في بورصة عمان نحو 169 إلى 171 شركة، بينما يقارب إجمالي عدد الشركات المساهمة العامة المسجلة في الأردن (سواء المدرجة في البورصة أو غير المدرجة) نحو 220 إلى 230 شركة بحسب إحصاءات هيئة الأوراق المالية".
وجاهيا لأنه في رأيي انتهى دور اجتماعات عن بعد والتي كانت بسبب الكورونا التي انتهت و لما له من آثار اقتصاديه واجتماعيه واداريه
للحديث بقيه
مصطفى محمد عيروط