نبض البلد -
المهندس عماد سعد
خبير الاستدامة والتغير المناخي والمسؤولية المجتمعية
رئيس شبكة بيئة ابوظبي
في الوقت الذي يواجه فيه العالم تحديات بيئية غير مسبوقة، من تغير المناخ وفقدان التنوع البيولوجي إلى تلوث الهواء والمياه واستنزاف الموارد الطبيعية، يبرز الذكاء الاصطناعي كواحد من أكثر التقنيات الواعدة في القرن الحادي والعشرين. ومع تسارع التطورات التقنية، يتردد سؤال مهم: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي إنقاذ البيئة؟
الإجابة العلمية المختصرة هي أن الذكاء الاصطناعي لا يستطيع وحده إنقاذ البيئة، لكنه قد يصبح أحد أقوى الأدوات التي تساعد البشرية على حماية كوكب الأرض إذا ما تم توظيفه بشكل مسؤول ومستدام.
يعتمد الذكاء الاصطناعي على تحليل كميات هائلة من البيانات واستخلاص الأنماط والتنبؤ بالسيناريوهات المستقبلية بدقة وسرعة تفوق القدرات البشرية التقليدية. وقد أصبح هذا الأمر ذا أهمية كبيرة في المجالات البيئية والمناخية، حيث تساعد الخوارزميات الذكية العلماء وصناع القرار على فهم التغيرات البيئية المعقدة واتخاذ إجراءات أكثر فاعلية لمواجهتها.
في مجال التغير المناخي، على سبيل المثال، يستخدم الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات المناخية الضخمة وتحسين نماذج التنبؤ بالطقس والكوارث الطبيعية. كما يساهم في تطوير أنظمة الإنذار المبكر للفيضانات والعواصف وموجات الحر، مما يمنح المجتمعات وقتاً أكبر للاستعداد وتقليل الخسائر البشرية والاقتصادية
أما في قطاع الطاقة، فيساعد الذكاء الاصطناعي على تحسين كفاءة استهلاك الكهرباء وإدارة شبكات الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. ومن خلال التنبؤ بمعدلات الإنتاج والاستهلاك، يمكن تقليل الهدر وتحسين الاستفادة من الموارد المتاحة، الأمر الذي يسهم في خفض الانبعاثات الكربونية.
وفي الزراعة، تتيح تقنيات الذكاء الاصطناعي تطوير ما يعرف بالزراعة الدقيقة، حيث يمكن مراقبة المحاصيل والتربة واستهلاك المياه بشكل لحظي، وتحديد الاحتياجات الفعلية للنباتات من الري والأسمدة والمبيدات. ويساعد ذلك في زيادة الإنتاجية وتقليل استنزاف الموارد الطبيعية، وهو أمر بالغ الأهمية في المناطق التي تعاني من ندرة المياه، مثل العديد من الدول العربية.
كما يستخدم الذكاء الاصطناعي في مراقبة الغابات والتنوع البيولوجي ورصد التلوث البحري وإدارة النفايات وإعادة التدوير. وقد أصبحت الأقمار الصناعية والطائرات بدون طيار المزودة بخوارزميات ذكية قادرة على اكتشاف التغيرات البيئية بسرعة كبيرة، مما يتيح التدخل المبكر لحماية النظم البيئية.
لكن الصورة ليست مثالية بالكامل. فأنظمة الذكاء الاصطناعي نفسها تحتاج إلى مراكز بيانات ضخمة تستهلك كميات كبيرة من الطاقة والمياه. كما أن تدريب النماذج المتقدمة يتطلب موارد حاسوبية هائلة قد تؤدي إلى زيادة البصمة الكربونية إذا لم تعتمد على مصادر طاقة نظيفة. ولذلك ظهر في السنوات الأخيرة مفهوم "الذكاء الاصطناعي المستدام"، الذي يهدف إلى تطوير حلول تقنية تراعي الاعتبارات البيئية إلى جانب الكفاءة التقنية.
ومن منظور المسؤولية المجتمعية، لا ينبغي النظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه بديلاً عن الإنسان، بل شريكاً يساعده على اتخاذ قرارات أكثر حكمة واستدامة. فالتكنولوجيا مهما بلغت من تطور لا تستطيع أن تحل محل الإرادة السياسية أو الوعي المجتمعي أو السلوك المسؤول تجاه البيئة.
وفي النهاية، يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي لن ينقذ البيئة بمفرده، لكنه قد يمنح البشرية فرصة تاريخية لتسريع الحلول البيئية وتحسين إدارة الموارد الطبيعية وتعزيز القدرة على التكيف مع التغير المناخي. ويبقى النجاح مرهوناً بقدرتنا على توظيف هذه التقنية لخدمة الإنسان والكوكب معاً، وجعل الابتكار أداة لتحقيق التنمية المستدامة لا عبئاً جديداً على البيئة التي نحاول حمايتها.