نبض البلد - هل اقتربنا من نهاية "عصر الغموض" في العلاقة بين المؤمن والشركات؟
فايز الشاقلدي
في مشهد تشريعي مكثّف، واصل مجلس النواب إقرار مواد مشروع قانون عقود التأمين لسنة 2025، ليصل إلى إقرار 99 مادة من أصل 101، كما وردت من الحكومة، مع إدخال تعديلات جوهرية على عدد من النصوص، في جلسات امتدت لساعات طويلة وبحضور حكومي رفيع، ما يعكس الأهمية الاقتصادية والمالية التي يحظى بها هذا التشريع.
تسريع تشريعي ورسائل ثقة للسوق
إقرار هذا العدد الكبير من المواد خلال فترة زمنية قصيرة، يؤشر إلى وجود إرادة سياسية واضحة لإنجاز القانون قبل نهاية الدورة العادية، خصوصاً أن المشروع أُحيل إلى لجنة الاقتصاد والاستثمار بعد موافقة مجلس الوزراء عليه في تشرين الثاني 2025، ثم خضع لمراجعات موسعة قبل إعادته إلى القبة.
هذا التسريع يحمل رسالتين أساسيتين: الأولى موجهة إلى قطاع التأمين المحلي والمستثمرين، بأن البيئة التشريعية تتجه نحو الاستقرار والتحديث؛ والثانية للمواطنين، بأن العلاقة التعاقدية مع شركات التأمين ستخضع لإطار أكثر دقة ووضوحاً، يحدّ من النزاعات ويعزز مبدأ حسن النية في تنفيذ العقود.
إعادة تعريف الخطر… ضبط الأساس القانوني للعقد
المواد (25–29) أعادت ضبط المفاهيم الجوهرية في عقد التأمين، وفي مقدمتها شرط أن يكون الخطر "محتمل الوقوع"، ما يمنع التأمين على وقائع محققة أو مفتعلة. كما عالجت مسألة تعاقب الأخطار وتحديد الأكثر تأثيراً في وقوع الخسارة، وهو نص سيحدّ من الجدل القضائي حول السبب المباشر وغير المباشر للضرر.
كذلك، أجاز المشروع الاتفاق على تغطية القوة القاهرة والظروف الاستثنائية، لكنه في المقابل شدد على بطلان أي شرط يستثني خطراً بصورة غير بارزة أو مخالفة للنظام العام، في محاولة واضحة لضبط الشروط التعسفية التي لطالما اشتكى منها المؤمن لهم.
التأمين على الحياة… حماية الإرادة ومنع الاستغلال
المواد المتعلقة بالتأمين على الحياة (30–45) شكلت محوراً متكاملاً يعزز حماية المستفيدين ويضبط العلاقة بين المؤمن والمؤمن له.
فقد كرس القانون حق تعيين المستفيد دون اشتراط موافقته، مع اشتراط الإخطار الخطي عند التعديل، وأجاز الاتفاق على عدم جواز تغييره، لكنه وضع استثناءً صارماً إذا ثبت شروع المستفيد في قتل المؤمن عليه أو التحريض عليه.
كما عالج حالات الانتحار بتمييز دقيق بين الانتحار الإرادي وفقدان الإرادة، وهو تفصيل يوازن بين الاعتبارات الأخلاقية والحقوق التعاقدية. والأهم، أن المبالغ المستحقة للمستفيد لا تدخل في تركة المؤمن له، ما يمنحها حصانة قانونية واضحة.
هذه المنظومة تعكس توجهاً لحماية الإرادة الحرة ومنع استغلال عقود الحياة كأدوات ضغط أو تحايل.
التأمين المعياري (البارامتري)… إدخال أدوات حديثة
من أبرز الإضافات النوعية، إدراج مفهوم "التأمين المعياري (البارامتري)" ضمن المادة (46)، والذي يربط التعويض بتحقق مؤشر أو معيار محدد مسبقاً، دون الحاجة لإثبات الخسارة الفعلية.
هذا النموذج يُستخدم عالمياً في تأمين الكوارث الطبيعية والمخاطر المناخية، ويُعد خطوة متقدمة نحو تحديث السوق الأردني، لأنه يسرّع صرف التعويضات ويقلل كلف النزاع والخبرة الفنية.
كما أن شطب فقرتي الكسب الفائت وتدني القيمة (وفق التعديلات النيابية) يفتح الباب أمام إعادة توزيع المخاطر تعاقدياً، ويعكس توجهاً لإعادة ضبط حدود التعويض بشكل أكثر وضوحاً.
التأمين من المسؤولية المدنية… تعزيز مركز المتضرر
في باب المسؤولية المدنية (المواد 54–57)، منح المشروع المتضرر حق مطالبة المؤمن مباشرة، وأجاز إدخال شركة التأمين طرفاً في الدعوى، ما يختصر الإجراءات ويمنع المماطلة.
كما ألغى المجلس اشتراط تحقق التزام المؤمن فقط بعد مطالبة المتضرر للمؤمن له، وهو تعديل يعزز حماية الغير ويحدّ من الثغرات الشكلية.
هذه النصوص تمثل نقلة في موازنة العلاقة بين شركة التأمين والمؤمن له والمتضرر، وتجعل شركة التأمين أكثر انخراطاً في النزاع منذ بدايته.
التأمين البحري… تقنين تفصيلي لحركة التجارة
خصص المشروع باباً واسعاً للتأمين البحري، تناول صلاحية السفينة، والانحراف عن المسار، والخسارة الكلية الفعلية والحكمية، والخسائر البحرية المشتركة، وإعادة التأمين.
هذا التفصيل يعكس إدراكاً لأهمية النقل البحري واللوجستي في الاقتصاد الوطني، خاصة في ظل توسع التجارة الإقليمية. كما أن إدراج شرط "الاختراق" في إعادة التأمين، يتيح – في حالات تصفية شركة التأمين – نشوء علاقة مباشرة بين معيد التأمين والمؤمن له، وهو تطور يحمي الحقوق في الحالات الحرجة.
ضبط المدد والإجراءات… تقليل النزاعات
حدد المشروع مدة تقادم الدعاوى بثلاث سنوات، مع تفصيل حالات بدء سريان المدة، وأبطل الشروط التي تسقط الحق بالتعويض لمجرد التأخير بعذر مقبول، أو لمخالفة قانون لا تنطوي على جناية أو جنحة قصدية.
كما ألزم باعتماد تقارير خبرة صادرة عن مسوي خسائر مرخص من البنك المركزي، ما يعزز المهنية ويقلل التقديرات العشوائية.
هذه النصوص تشير إلى توجه واضح لتقليل المنازعات القضائية، عبر تقنين دقيق للإجراءات والشروط.
تجريم شراء الحقوق… مواجهة سماسرة الحوادث
في المادة (99)، شدد القانون العقوبة على شراء الحقوق الناتجة عن عقد تأمين المركبات، ورفع الغرامات والعقوبات السالبة للحرية، مع مضاعفة العقوبة في حال التكرار.
هذا النص يستهدف ظاهرة "سماسرة الحوادث" الذين يشترون المطالبات التأمينية بأثمان زهيدة من المتضررين، ثم يساومون الشركات، وهي ممارسة أضرت بسمعة القطاع ورفعت كلف التأمين على المواطنين.
نحو بيئة تأمينية أكثر عدالة
في المحصلة، لا يمثل مشروع قانون عقود التأمين مجرد تحديث تقني للنصوص، بل إعادة هندسة شاملة للعلاقة بين أطراف العقد، مع إدخال أدوات حديثة، وتعزيز حماية المتضررين، وتشديد الرقابة على الممارسات السلبية.
يبقى التحدي الحقيقي في التطبيق العملي، وفي قدرة الجهات الرقابية على إنفاذ النصوص بعدالة، لأن أي قانون – مهما كان متقدماً – يفقد أثره إن لم يُترجم إلى ممارسة فعلية تعيد الثقة بين شركات التأمين والمواطنين.
القانون اليوم أمام مرحلة الاختبار: هل ينجح في تحويل سوق التأمين من ساحة نزاعات إلى مظلة أمان حقيقية للاقتصاد والمجتمع؟ الأيام وحدها كفيلة بالإجابة.