الدكتور عبدالله سرور الزعبي

الديزل يفرض شروطه على العالم

نبض البلد -

الديزل يفرض شروطه على العالم

البرفسور عبدالله سرور الزعبي

مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية

البنزين يحرّك السيارات، أما الديزل فيحرّك الشاحنات والجرارات والقطارات والمصانع، أي سلسلة الغذاء والتجارة كلها. لذلك لم تعد أسعاره مجرد رقم في محطة الوقود، بل صارت ورقة ضغط تُرسم بها التحالفات وتُعاد بها صياغة العقوبات. وقد سجّلت الأسواق أسعار ديزل قريبة من أعلى مستوياتها التاريخية، رغم أن مضيق هرمز لم يعد مشلولاً بالكامل كما كان.

وهذه المفارقة هي مفتاح فهم اللحظة: فالمضيق يتنفس تدريجياً من جديد، لكن الأسعار لا تهبط. ففي أزمات الطاقة القديمة كان السؤال: كم برميلاً يُنتَج؟ أما اليوم فالسؤال: من يتحكم في الطريق، ومن يملك المصفاة، ومن يحتفظ بالمخزون حين يجفّ كل شيء؟ لقد انتقلت القوة من باطن الأرض إلى ما بين الحقل والمستهلك، أي الممرات والمصافي والتأمين والمخزونات.

والديزل أوضح تجليات هذا الانتقال. فهو الوقود الذي لا يمكن استبداله سريعاً في الشاحنة والجرار والمصانع وغيرها، وهو جزء من منظومة الغذاء قبل أن يكون جزءاً من منظومة الطاقة. ولأنه منتج مُكرَّر، يتأثر بكل ضربة تصيب أي حلقة من السلسلة، من الخليج إلى المصفاة الروسية إلى الميناء الأوروبي، فيتلقى الاضطراب أولاً وأقسى من غيره. وحين يمرّ نحو خُمس تجارة النفط العالمية عبر ممر واحد، ثم تهبط صادرات الخليج من الديزل إلى ربع مستواها قبل الحرب، نفهم أن العالم لا يعاني نقص نفط بقدر ما يعاني هشاشة تصميمه.

وهنا ينتهي وهم "السوق الكفؤة". فقد بُنيت عولمة الطاقة على افتراض أن البحار مفتوحة دائماً، وأن الكفاءة تعني الاعتماد على الأرخص والأبعد، أي مخزوناً قليلاً وسلاسل ضيقة. والأزمة تفرض منطقاً معاكساً قوامه الاحتياط، فتجعل المخزون الاستراتيجي والتكرير المحلي والتنويع أصولاً سيادية كالجيوش. وعلاوة المخاطر التي تُضاف اليوم إلى السعر لن تختفي بانتهاء القتال، لأنها أصبحت جزءاً من معمار السوق نفسه.

ويقود ذلك إلى تحول ثانٍ، هو أن الجغرافيا صارت رأس مال للضعفاء. فالدول والجماعات التي لا تملك أساطيل ولا اقتصادات كبرى اكتشفت أن موقعاً على ممر مائي مع بعض المسيّرات يكفي لإرباك أضخم الاقتصادات. وفكرة الرسوم والإذن المسبق في هرمز، وصعود الحوثيين عند باب المندب، تعبيران عن منطق واحد: تحويل الجغرافيا إلى سلطة ضريبية وسياسية. وهذا يختل معه ميزان الكلفة العسكرية، إذ يفرض صاروخ رخيص على أسطول باهظ حراسة الطريق، ويُثقل التجارة بكلفة التأمين. وبعد هذه الأزمة لن تعود الممرات المائية "أملاكاً عالمية مشتركة"، بل ساحات تفاوض دائمة.

وإلى جانب الممرات، تغيّر هدف الحرب نفسه. لم يعد الهدف حقل النفط بل قدرة التحويل: المصفاة والناقلة وشركة التأمين، لأن ضرب التكرير يُحدث ألماً اقتصادياً أكبر بأقل كلفة. وهذا ما تفعله أوكرانيا بالمصافي الروسية، وهو ما يهدد به التصعيد حول الخليج. هنا يصبح الديزل سلاحاً ورهينة معاً، سلاحاً لمن يضرب سلاسل الإنتاج، ورهينة لمن يعتمد عليها.

وهذه الجبهات المتقاطعة تفسّر التحول الأخطر على النظام الغربي: تغيّر علاقة واشنطن بالطاقة. فـ"هيمنة الطاقة" لم تعد رؤية تُصدَّر إلى الحلفاء، بل صارت أداة بقاء داخلية في موسم انتخابي. المنتج الأكبر يخشى سعر الديزل في محطاته أكثر مما يخشى تماسك التحالف الأطلسي. ولذلك رأينا جمعاً بين أمرين يبدوان متناقضين: صفقة لتوريد ديزل روسي مع تخفيف مؤقت للعقوبات، وضغط على الحلفاء الأوروبيين للإفراج عن مخزوناتهم تحت تهديد حظر التصدير. ومعنى ذلك استراتيجياً أن الحليف لم يعد حليفاً فقط، بل عميلاً وخزاناً احتياطياً أيضاً. وحين تصبح أمريكا مورّداً يمكنه إغلاق الصنبور، تنتقل أوروبا من الاعتماد على خصم إلى الاعتماد على حليف يملك أن يساوم.

أما روسيا فتقف أمام مفارقة نادرة: قدرتها التكريرية تتآكل، لكن قيمتها كمورّد ترتفع. إنه ريع الندرة: كلما قلّت البدائل زاد ثمن ما لديك. وإذا نجحت موسكو في تحويل هذا الموقع إلى مكسب سياسي، أي تخفيف العقوبات مقابل الشحنات، فقد حققت ما لم تحققه في ساحة المعركة: ربط استقرار الأسواق العالمية بمصلحتها.

وبالنسبة لأوكرانيا، يصبح ضرب المصافي ورقتها الأقوى وأكثرها حساسية في آن واحد، لأنه يصطدم بمصلحة حلفائها الذين يريدون ديزلاً أرخص. وهكذا قد يتحول مسار الحرب من نزاع على الأرض إلى نزاع على الطاقة، فتُرسَم التسوية بحسابات الأسواق قبل حسابات السيادة. وهذه هي المخاطرة الكبرى: هدنة تُبنى على حاجة الأسواق لا على عدالة الحل.

وتبقى أوروبا، التي تملك القيم والقوانين والسوق الكبيرة، وتفتقر إلى السيادة في الطاقة. فقد أغلقت مصافيها واعتمدت على الاستيراد، فصارت قدرتها على اتخاذ مواقف مبدئية رهينة ما في مخازنها، وقد جاء 41% من وارداتها من الديزل من أمريكا في سبتمبر. وهذه مسألة وجودية لا اقتصادية: القارة التي تقول "لن نموّل حرب بوتين" عليها أن تثبت أنها قادرة على الصمود دون أن تُنتزع منها التنازلات. وأمامها مفترق: إما أن تصبح فاعلاً يبني سيادته في الطاقة، بالتكرير والتخزين المشترك والشراء الجماعي وكهربة النقل الثقيل والسكك بوصفها سياسة أمن لا سياسة مناخ، وإما أن تتفتت إلى صفقات ثنائية تتسابق فيها العواصم على أي برميل متاح، فينهار الموقف الموحد من روسيا من داخله.

فماذا يحمل المستقبل؟ أتوقع أربعة تحولات متداخلة خلال السنوات المقبلة. أولها مأسسة علاوة المخاطر، فتصبح التأمينات والمخزونات والممرات البديلة جزءاً ثابتاً من كلفة الطاقة. وثانيها تشكّل ممرات طاقة متحالفة، أي صفقات ثنائية وإقليمية تحلّ محل السوق المفتوحة، على حساب العقوبات متعددة الأطراف. وثالثها أن تتحول كهربة النقل الثقيل من خيار بيئي إلى ضرورة استراتيجية، لأن من يقلل اعتماده على الديزل يقلل قابليته للابتزاز. ورابعها، وهو الأخطر، احتمال تزامن اضطراب أكثر من ممر في وقت واحد، فينتقل الأمر من أزمة وقود إلى أزمة غذاء ونقل واستقرار اجتماعي.

والدرس الذي ستكتبه هذه المرحلة أن الاقتصاد العالمي بنى رفاهه على افتراض أن الطرق ستبقى مفتوحة، وأن القوة الحقيقية في هذا القرن لن تكون لمن يملك أكبر مخزون من الطاقة فحسب، بل لمن يملك القدرة على الاستمرار حين تُغلق الطرق. والديزل، هذا الوقود غير الأنيق، هو الذي يذكّر العالم اليوم بأن الجغرافيا لم تمت، وأن السيادة تُقاس بما تبقى في الخزان حين تتوقف السفن.