نبض البلد - د. خالد العاص
لا أحد يختلف على أن الأردن يمر بمرحلة إقليمية شديدة الحساسية، وأن ما يحدث من حوله يفرض نقاشاً وطنياً جدياً وهادئاً. لكن الاتفاق على خطورة المرحلة لا يعني بالضرورة الاتفاق على قراءتها أو على كيفية التعامل معها. ومن هنا، ربما لا يكون السؤال الأهم: أين الأحزاب؟ ولماذا لا تتحدث؟ أو حتى: هل النخب السياسية غائبة؟ الأهم، هو: ماذا نريد من الأحزاب أصلاً؟ وماذا نريد من النقاش السياسي في هذه المرحلة؟
مع انتخابات 2024، دخل الأردن مرحلة جديدة في مسار التحديث السياسي، فقد خصص 41 مقعداً للقوائم الحزبية، ضمن مسار تدريجي يفترض أن يتوسع فيه حضور الأحزاب في مجلس النواب وصولاً إلى مجالس نيابية تقوم بدرجة أكبر على العمل الحزبي والبرامجي.
وهذا يعني أن التجربة الحزبية بصيغتها الجديد ما تزال في بدايتها، ولذلك من الصعب الحكم عليها باعتبارها تجربة مكتملة، والأجدى أن ننظر إلى قدرتها على التطور والتعلم من أخطائها وتصحيح مسارها.
الأحزاب، في المقابل، لا يفترض أن يكون دورها إصدار بيان عند كل أزمة أو الظهور في وسائل الإعلام كلما وقع حدث سياسي، الحزب ليس مجرد منصة للتعليق على الأحداث، ولا مجموعة من الشخصيات تجتمع في المناسبات ثم تختفي عندما تنتهي.
وظيفته الأساسية أبسط وأصعب في الوقت نفسه: أن يستمع إلى الناس، وأن يحول القضايا التي تشغلهم إلى أفكار واضحة، ثم إلى سياسات وبرامج يمكن مناقشتها ومحاسبة أصحابها عليها.
وفي هذه المرحلة الإقليمية المعقدة، هناك أسئلة كثيرة يفترض أن تكون الأحزاب جزءاً من الإجابة عنها، ما الأولويات الاقتصادية للأردن؟ كيف نتعامل مع المتغيرات الإقليمية وانعكاساتها على البلد؟ كيف نستعيد ثقة الشباب بالعمل السياسي؟ وما الذي يستطيع النائب الحزبي أن يقدمه للناس بصورة مختلفة عن النائب الذي يعمل خارج إطار حزبي؟
أما الحديث عن البديل، والسؤال الذي يتكرر أحياناً: هل البديل عن الأحزاب هو العشائر؟ فأعتقد أن وضع الطرفين في مواجهة بعضهما ليس مفيداً، العشيرة مكوّن اجتماعي له حضوره ودوره، والحزب إطار سياسي له وظيفة مختلفة، والمشكلة تظهر عندما نطلب من الإطار الاجتماعي أن يؤدي وظيفة المؤسسة السياسية، أو عندما نحمل الحزب مسؤوليات اجتماعية ليست من اختصاصه.
لهذا السبب، فإن التجربة الحزبية تحتاج إلى قياس جدي، كم حزباً لديه برنامج يمكن مناقشته فعلاً؟ كم حزباً يعقد لقاءات منتظمة مع أعضائه؟ كم حزباً يستطيع أن يقدم تصوراً واضحاً للاقتصاد والتعليم والصحة والإدارة العامة؟ وكم حزباً يملك كوادر قادرة على تحويل هذه التصورات إلى عمل برلماني وسياسي؟ هذه الأسئلة أكثر أهمية من وصف الأحزاب بأنها "صامتة" أو "تتكلم".
وفي المقابل، من حق الأحزاب أيضاً أن تحصل على فرصة حقيقية لإثبات نفسها، ومن حقها أن تعمل في بيئة سياسية تساعدها على النمو، وأن يكون الحكم عليها مبنياً على أدائها الفعلي، لا على "الصورة النمطية" التي تراكمت عبر سنوات طويلة حول العمل الحزبي.
وإذا كنا نريد للتحديث السياسي أن ينجح، فلا يكفي أن ننتظر نتائجه، علينا أن نتابع التجربة، ونرى ما الذي نجح فيها وما الذي لم ينجح، ثم نصحح المسار عندما يكون التصحيح ضرورياً.
في النهاية، القضية ليست أن تتحدث الأحزاب أكثر، وإنما أن يكون لما تقوله معنى، ولما تقترحه أثر، ولما تعد به الناس قدرة حقيقية على التنفيذ.