بشير الدعجه

الخطر القادم من الشرق... إيران وأذرعها... والأردن يكسر الرهان

نبض البلد -
الكاتب والمحلل الأمني د.  بشير الدعجه. 

الخطر الإيراني على الأردن لم يعد يحتاج إلى أدلة نظرية أو تحليلات بعيدة... الصاروخ الذي يدخل أجواء المملكة هو الدليل... والمسيّرة التي تُعترض فوق الأراضي الأردنية هي الدليل... والحطام الذي يسقط داخل المملكة هو الدليل... وما حدث فجر الاثنين باعتراض ثمانية صواريخ اخترقت المجال الجوي الأردني ليس حادثًا عابرًا يمكن وضعه في خانة التطورات الإقليمية... بل مؤشر أمني خطير يجب أن يُقرأ بكل جدية.

الأخطر أن قصة الصواريخ الثمانية ليست البداية... ففي تموز الماضي أعلنت القوات المسلحة الأردنية اعتراض 95 تهديدًا جويًا إيرانيًا خلال 16 يومًا... بينها 70 صاروخًا باليستيًا و25 مسيّرة محملة بالمتفجرات... وفي 12 تموز سقطت ثلاثة صواريخ أُطلقت من إيران داخل الأراضي الأردنية وأحدثت أضرارًا مادية محدودة... وفي أيام أخرى أعلنت القوات المسلحة اعتراض صواريخ ومسيّرات إيرانية متتالية كانت تستهدف الأراضي الأردنية.

هذه الأرقام تجعل المسألة مختلفة تمامًا... فنحن أمام نمط من التهديد المتكرر... وليس أمام حادثة واحدة فرضتها ظروف الحرب... وفي الأمن والاستراتيجية عندما يتكرر التهديد... وتتعدد وسائله... ويصبح قادرًا على الوصول إلى أجواء الدولة وأراضيها... فإن التعامل معه ينتقل من خانة الاحتمال إلى خانة الخطر الفعلي.

ومن هنا يجب أن نقولها بوضوح... الأردن ليس طرفًا في الحرب الإيرانية... وليس ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات بين طهران وخصومها... وليس من حق أي قوة إقليمية أن تستخدم سماء المملكة طريقًا لصواريخها أو مسيّراتها... فالمجال الجوي الأردني جزء من سيادة الدولة... وأي اختراق له ليس مجرد تفصيل عسكري... وإنما مساس مباشر بالأمن الوطني والسيادة.

وهنا تكمن خطورة إيران وأذرعها في المنطقة... فطهران لم تبنِ نفوذها الإقليمي على القوة الإيرانية المباشرة وحدها... وإنما عملت على بناء شبكة واسعة من الفصائل والجماعات المسلحة في ساحات متعددة... وهذه الاستراتيجية تمنحها قدرة على الضغط من أكثر من اتجاه... وتسمح بتحويل الصراع من مواجهة مباشرة إلى حرب متعددة الأدوات والجبهات.

وبالنسبة للأردن... فإن المشكلة لا تتعلق بإيران وحدها... وإنما بالمساحات الواقعة بين إيران والأردن... العراق وسوريا تحديدًا... فكلما اتسع نفوذ الجماعات المسلحة في هذه الجغرافيا... وكلما ضعفت قدرة الدولة على فرض سيادتها وحصر السلاح بيد مؤسساتها... ازدادت احتمالات انتقال الخطر إلى الحدود الأردنية... سواء على شكل صواريخ ومسيّرات... أو تهريب أسلحة ومخدرات... أو نشاط جماعات مسلحة وشبكات مرتبطة بها.

وهنا يصبح الخطر القادم من الشرق أكثر تعقيدًا... لأن الأردن لا يواجه تهديدًا من اتجاه واحد... بل منظومة تهديد يمكن أن تتغير أدواتها باستمرار... صاروخ من جهة... مسيّرة من جهة أخرى... شبكة تهريب على الحدود... وجماعة مسلحة تتحرك في الفراغات الأمنية... ولذلك فإن المعركة الأردنية الحقيقية ليست مع صاروخ واحد... وإنما مع بيئة أمنية إقليمية تحاول إيران توسيع نفوذها داخلها.

والأخطر من ذلك أن امتلاك إيران والأذرع المرتبطة بها قدرات صاروخية ومسيّرة متطورة يعني أن المسافة الجغرافية لم تعد توفر الحماية الكافية... فالصاروخ لا يحتاج إلى حدود مشتركة كي يشكل خطرًا... والمسيّرة لا تعترف بالحدود السياسية... ولهذا فإن قوة الأردن في هذه المرحلة يجب أن تقوم على منظومة متكاملة... استخبارات دقيقة... إنذار مبكر... دفاع جوي فعال... جاهزية عسكرية... حماية للحدود... وقدرة واضحة على الردع.

وما فعلته القوات المسلحة الأردنية حتى الآن يبعث برسالة مهمة... الأردن قادر على حماية سمائه... فقد تعاملت منظومات الدفاع الجوي مع الصواريخ والمسيّرات المتكررة... وأكدت القوات المسلحة أنها ستتخذ جميع الإجراءات اللازمة لحماية الوطن وصون سيادته.

لكن النجاح في إسقاط الصاروخ لا يعني أن الخطر انتهى... بل يعني أن الأردن نجح في منع الخطر من الوصول إلى هدفه... وهذه نقطة يجب ألا تغيب عن صانع القرار ولا عن المواطن... لأن الطرف الآخر يتعلم من كل جولة... ويطور أدواته... ويبحث عن ثغرات جديدة... ولذلك فإن الردع الحقيقي يبدأ من معرفة نوايا الخصم وقدراته وشبكاته قبل أن تتحول إلى تهديد مباشر.

أما أهداف إيران من توسيع نفوذها في المنطقة... فلا يمكن اختزالها في هدف واحد... فهي تسعى إلى حماية عمقها الاستراتيجي... وتعزيز أوراقها التفاوضية... وإبقاء خصومها تحت ضغط مستمر... وتوسيع نفوذها عبر حلفاء محليين... ولذلك فإن الأردن بحكم موقعه الجغرافي والسياسي والعسكري ليس خارج حسابات هذه المعادلة.

الأردن تحديدًا يمثل عقدة جغرافية مهمة... فهو بوابة بين العراق وسوريا وفلسطين... ويمتلك حدودًا حساسة مع ساحات تشهد صراعات إقليمية... كما أنه حليف أساسي للولايات المتحدة والدول العربية المعتدلة... ولذلك فإن إرباك الأردن أو الضغط عليه يمكن أن تكون له تداعيات تتجاوز المملكة نفسها... وتمس منظومة الأمن الإقليمي بأكملها.

لكن هناك خطًا أحمر يجب ألا يخطئ أحد في قراءته... الأردن لا يريد الحرب... لكنه لن يسمح بأن تتحول المملكة إلى ساحة حرب... ولن يقبل بأن تصبح أجواؤه ممرًا للصواريخ... أو أن تكون أراضيه مساحة لتصفية الحسابات... أو أن يتحول أمن الأردنيين إلى ورقة في مشروع نفوذ إقليمي.

والرسالة الأهم اليوم ليست لإيران وحدها... وإنما لكل من يتحرك في محيط الأردن... أمن المملكة ليس مجالًا للمغامرة... وسيادة الأردن ليست قابلة للتفاوض... ومن يختبر قدرة الدولة الأردنية على حماية نفسها سيجد أمامه جيشًا عربيًا يمتلك الجاهزية... وأجهزة أمنية تعرف كيف تقرأ الخطر... ودولة لا تتردد في اتخاذ ما يلزم لحماية مواطنيها.

لقد حاولت الصواريخ أن تجعل الأردن جزءًا من معركة لا يريدها... لكن الأردن أسقط الصواريخ ولم يسقط في فخ الحرب... وهذه هي المعادلة التي يجب الحفاظ عليها... قوة تمنع الاعتداء... وعقل يمنع الانجرار إلى الفوضى.

الخطر القادم من الشرق حقيقي... لكنه ليس قدرًا مفروضًا على الأردن... فالدول لا تحمي نفسها بالخوف... وإنما بالوعي والردع والاستعداد... والأردن أثبت أنه عندما يتعلق الأمر بأمنه وسيادته... فإنه يعرف جيدًا أين يقف... ومتى يصمت... ومتى يحذر... ومتى يرد.

الأردن لا يبحث عن معركة مع إيران... لكنه أيضًا لن يسمح لإيران أو أذرعها بأن تجعل من الأردن ساحة معركة... فسماء المملكة ليست ممرًا لصواريخ الآخرين... وأرضها ليست منصة لمشاريع الآخرين... وأمن الأردنيين خط أحمر لا يُختبر...وللحديث بقية. 

#د. بشير _الدعجه