بتصوير محمد عودة ومعالجة هيثم حمدي، نجح مرصد الختم الفلكي التابع لمركز الفلك الدولي في تصوير سديم "عين القط" (Cat's Eye Nebula)، الذي يعد واحداً من أشهر السدم الكوكبية وأكثرها تعقيداً، وتظهر الصورة بوضوح تركيبين مختلفين للسديم؛ الأول هو التركيب الصغير شديد السطوع في المنتصف والذي يشبه عين القط ومنه جاءت تسمية السديم، والثاني هو غلاف ضخم وخافت وغير منتظم يحيط به.
ويرمز للسديم بالرمز NGC 6543، ويقع في مجموعة "التنين" على مسافة تقارب 3000 سنة ضوئية من الأرض، وهو يمثل إحدى المراحل الأخيرة من حياة النجوم ذات الكتل المقاربة لكتلة الشمس؛ فعندما يقترب مثل هذا النجم من نهاية حياته وينفد الوقود النووي في داخله، يتمدد إلى عملاق أحمر ويبدأ بفقد طبقاته الخارجية، فتنتشر هذه الغازات في الفضاء، بينما يبقى في المركز قلب النجم الساخن الذي يتحول في النهاية إلى قزم أبيض.
واستغرق تصوير سديم عين القط تسعة أيام، باستخدام التلسكوب الرئيسي لمرصد الختم، وهو تلسكوب عاكس بقطر 14 إنش مزود بكاميرا أحادية اللون، واستخدم في التصوير أربعة مرشحات، ثلاثة منها ضيقة النطاق مخصصة لالتقاط انبعاثات الهيدروجين والأكسجين والكبريت، إضافة إلى مرشح للأشعة تحت الحمراء.
وبلغ إجمالي زمن التعريض للصورة النهائية 36 ساعة و12 دقيقة، ناتجة عن تجميع وتكديس 724 صورة، مدة التعريض لكل منها ثلاث دقائق، والتقطت 183 صورة باستخدام مرشح الهيدروجين، بإجمالي 9 ساعات و9 دقائق، و187 صورة باستخدام مرشح الأكسجين، بإجمالي 9 ساعات و21 دقيقة، و178 صورة باستخدام مرشح الكبريت، بإجمالي 8 ساعات و54 دقيقة، إضافة إلى 176 صورة باستخدام مرشح الأشعة تحت الحمراء، بإجمالي 8 ساعات و48 دقيقة.
وأكثر ما يلفت النظر في الصورة هو وجود تركيبين مختلفين جداً في الحجم والشكل والسطوع، ففي المركز تظهر "عين القط" نفسها، وهي منطقة صغيرة وشديدة السطوع تتكون من أغلفة وفقاعات وأقواس غازية متداخلة تحيط بالنجم المركزي، وقد أظهرت صور تلسكوب "هابل" أن هذه المنطقة واحدة من أكثر التراكيب المعروفة تعقيداً بين السدم الكوكبية، إذ تحتوي على أغلفة غازية ونفاثات سريعة وعقد من الغاز نتج بعضها عن موجات صدمية.
ويرجح العلماء أن الرياح النجمية السريعة الصادرة من القزم الأبيض (النجم المركزي الساخن) لعبت دوراً أساسياً في نحت هذه التراكيب؛ إذ اصطدمت الرياح السريعة بالغاز الذي طرحه النجم في وقت سابق، فضغطته ودفعته إلى الخارج وشكلت الأغلفة والتفاصيل المعقدة التي نراها حول النجم، وأظهرت أرصاد مرصد "تشاندرا" للأشعة السينية أن قلب سديم عين القط محاط أيضاً بغاز تبلغ حرارته ملايين الدرجات، نتج عن اصطدام الرياح النجمية السريعة بالمادة المقذوفة سابقاً، وتشير قياسات "تشاندرا" إلى أن بعض المادة المنطلقة من النجم تتحرك بسرعة تقارب 6 ملايين كيلومتر في الساعة.
ولا يزال سبب الشكل المعقد لـ"عين القط" موضع دراسة، ومن التفسيرات المطروحة أن القزم الأبيض (النجم الذي أنشأ عين القط) ربما تأثر بنجم مرافق يدور حوله، إذ يمكن للتفاعل بين نجمين أن يساعد على توجيه المادة المقذوفة وتكوين تراكيب غير كروية ومعقدة، وقد أشارت دراسات هابل إلى أن وجود نظام نجمي مزدوج يمكن أن يقدم تفسيراً لبعض هذه التفاصيل.
أما التركيب الثاني، وهو الأكثر امتداداً في الصورة، فهو الغلاف الخارجي الكبير والخافت الذي يحيط بـ"عين القط"، ويظهر في الصورة على هيئة سحابة واسعة غير منتظمة، ذات خيوط وحواف وكتل غازية متقطعة، وتمتد إلى مسافة كبيرة مقارنة بالجزء المركزي شديد السطوع، وهذا الغلاف ليس امتداداً تشكل في الوقت نفسه مع "العين" الداخلية، بل يمثل فصلاً أقدم من عملية موت النجم وفقدانه لطبقاته الخارجية.
وقد أكدت صور حديثة جمعت أرصاد تلسكوبي "هابل" و"إقليدس" الفضائيين أن المادة الموجودة في هذه المنطقة الخارجية قذفها النجم في مرحلة أسبق، قبل تشكل السديم الرئيسي اللامع الذي نراه في المركز، ولهذا تقدم الصورة سجلاً لعدة مراحل من موت النجم: غازات قديمة انتشرت بعيداً وشكلت الغلاف الخارجي الواسع، ثم عمليات أحدث لفقدان المادة والرياح النجمية أنتجت التركيب المركزي الأصغر والأكثر سطوعاً وتعقيداً الذي نطلق عليه "عين القط".
وكشفت أرصاد "هابل" كذلك أن المنطقة المحيطة بعين القط تحتوي على 11 غلافاً أو حلقة متحدة المركز أو أكثر، وما يبدو في الصور كحلقات هو في الحقيقة حواف فقاعات غازية شبه كروية نراها مسقطة على السماء، وتشير الأرصاد إلى أن النجم مر بمراحل متكررة من فقدان المادة، بفواصل زمنية تقدر بنحو 1500 سنة، بدلاً من أن يقذف جميع طبقاته الخارجية في حدث واحد.
وتظهر الصورة الفارق الهائل في السطوع بين هذين التركيبين، إذ تبدو "عين القط" في المنتصف صغيرة وشديدة السطوع، بينما يحتاج إظهار الغلاف الخارجي الخافت إلى تعريضات طويلة ومعالجة للصورة تسمح بإبراز غاز ضعيف الإضاءة يمتد على مساحة أكبر بكثير، وتظهر في الغلاف الخارجي خيوط وكتل وحواف غير منتظمة، وهي مادة سبق للنجم أن طرحها إلى الفضاء وتعرضت لاحقاً لتأثير الإشعاع والرياح النجمية وموجات الصدمة.
ويعد سديم عين القط مثالاً لما قد يحدث لشمسنا بعد عدة مليارات من السنين، عندما تنهي مراحل حياتها المتقدمة وتقذف طبقاتها الخارجية إلى الفضاء، ويبقى قلبها في النهاية على هيئة قزم أبيض، إلا أن الشكل الذي سينتج عن الشمس لن يكون بالضرورة مشابهاً لعين القط، إذ تتأثر أشكال السدم الكوكبية بعوامل عديدة تتعلق بطريقة فقدان النجم للمادة والرياح النجمية وربما وجود نجوم مرافقة.