نبض البلد - د. أيوب أبودية
أحياناً لا تحتاج إلى تقرير علمي طويل لتكتشف حجم التناقض بين ما نقوله عن البيئة وما نفعله بها. يكفي أن تنظر إلى مشهد صغير في أحد شوارع عمّان، لترى قصة أكبر بكثير من شجرة مكسورة أو عشب أزيل بالجرافات.
في قلب العاصمة عمّان، أمام واحد من أشهر فنادقها، فندق الرويال، وعلى الدوار الثالث وفي منطقة زهران، حيث يفترض أن تكون العناية بالمساحات الخضراء في أعلى درجاتها، نشاهد مشهداً يثير الأسى: جرافات تعمل على تنظيف الأرض من الأعشاب، لكن بطريقة تبدو أقرب إلى اقتلاع الحياة من الأرض منها إلى العناية بها. وبينما تقوم الآليات بعملها، تنكسر سيقان الأشجار الصغيرة، وتُداس النباتات، وكأن الشجرة مجرد عائق في طريق الجرافة، وليست كائناً حياً يحتاج إلى الحماية والرعاية.
والأشد إيلاماً أن الصورة تحمل مفارقة أخرى: خلف الشجرة التي كُسر ساقها تقف شجرة أخرى يابسة، يبدو عليها أثر العطش والإهمال.
هنا لا يعود السؤال: لماذا انكسرت هذه الشجرة؟
السؤال الأهم هو: كيف ننظر إلى الشجرة أصلاً؟
هل نراها جزءاً من البنية التحتية للمدينة، وعنصراً أساسياً في تخفيف الحرارة وتنقية الهواء وامتصاص ثاني أكسيد الكربون، أم نراها مجرد نبات زائد يمكن إزالته متى احتجنا إلى تنظيف الأرض؟
يذكرنا هذا المشهد بالمثل العربي القديم «مثل حراث الجمال»، في دلالته على العمل الذي يتم بطريقة خشنة أو غير ملائمة لطبيعة الشيء الذي نتعامل معه. فالحراثة تحتاج إلى معرفة بالأرض، والعناية بالشجر تحتاج إلى معرفة بالشجر؛ أما استخدام الآلات الثقيلة بلا تمييز بين العشب والشجيرة والشجرة، فهو ليس إدارة خضراء، بل إدارة خشنة للطبيعة.
المشكلة ليست في استخدام الجرافة بحد ذاته. فالجرافات والآليات ضرورية في كثير من أعمال النظافة والتسوية والصيانة. المشكلة في كيفية استخدامها ومكان استخدامها وتوقيت استخدامها. فإذا كانت هناك أشجار قائمة، فإن تنظيف الأعشاب حولها يجب أن يتم بطريقة تحمي جذوعها وسيقانها وجذورها، لا أن تتحول عملية التنظيف إلى سبب في إتلافها.
الشجرة ليست عشباً.
والجذع ليس حجراً.
والحديقة ليست موقعاً لإنجاز العمل بأسرع وقت ممكن، وإنما منظومة حية تحتاج إلى إدارة مختلفة تماماً عن إدارة الإسفلت والخرسانة.
والأخطر من الشجرة المكسورة هو الشجرة التي ماتت من العطش بصمت. فهي لا تصرخ، ولا تشتكي، ولا تستطيع أن تذهب إلى مسؤول لتطلب الماء. تقف في مكانها حتى تجف، ثم تموت، وربما تأتي بعدها جرافة فتزيلها وكأنها لم تكن موجودة.
وهذا يقودنا إلى سؤال أكبر بكثير من هذا الموقع في عمّان: إذا كنا نتعامل مع الأشجار بهذه القسوة والإهمال وهي أمام أعيننا وفي قلب العاصمة، فما الذي يحدث لغابات الأردن ومناطقنا الحرجية البعيدة عن أعين الناس؟
لقد تراجعت نسبة الغطاء الحرجي في الأردن، بحسب الأرقام المتداولة، من نحو 2% من مساحة المملكة إلى أقل من 1%. وإذا كانت الشجرة في قلب العاصمة تواجه خطر العطش والكسر والإهمال، فإن الأشجار في المناطق الحرجية تواجه تحديات أكبر: الجفاف، والحرائق، والرعي الجائر، والقطع، والتعديات، وتغير المناخ.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى.
نحن نتحدث كل يوم عن التغير المناخي، ونقيم المؤتمرات والندوات ونرفع الشعارات حول التشجير وزيادة الغطاء النباتي وخفض الانبعاثات، ثم نسمح في أبسط المواقع الحضرية بأن تُكسر الأشجار أو تموت عطشاً.
لكن مواجهة تغير المناخ لا تبدأ دائماً من مؤتمر دولي. أحياناً تبدأ من شجرة واحدة.
الشجرة في المدينة ليست مجرد منظر جميل. إنها مظلة طبيعية، ومبرد طبيعي، ومخزن للكربون، وموطن للكائنات الصغيرة، وحاجز للغبار، وعنصر في تحسين جودة الهواء، ومساهم في تخفيف أثر الجزر الحرارية التي أصبحت مدننا تعاني منها بصورة متزايدة.
وفي مدينة مثل عمّان، التي تزداد فيها درجات الحرارة ويزداد فيها العمران والازدحام، تصبح الأشجار أكثر أهمية، لا أقل.
لذلك فإن المطلوب ليس فقط زيادة عدد الأشجار التي نزرعها، بل حماية الأشجار الموجودة أولاً. فالشجرة الكبيرة التي أمضت سنوات في النمو لا يمكن تعويضها بسهولة بغرس شتلة جديدة.
نحن بحاجة إلى تغيير فلسفة التعامل مع المساحات الخضراء في المدينة. يجب أن تكون هناك تعليمات واضحة تمنع استخدام الآليات الثقيلة بالقرب من جذوع الأشجار، وتحدد طريقة إزالة الأعشاب، وتفرض حماية الأشجار أثناء أعمال الصيانة، وتضمن ري الأشجار بصورة منتظمة، وتحدد مسؤولية الجهة التي تتولى رعايتها.
والأهم من ذلك كله أن ننتقل من ثقافة «تنظيف الأرض» إلى ثقافة «إدارة النظام البيئي».
أما المشهد الذي أمامنا في قلب عمّان، فهو رسالة ينبغي ألا تمر مرور الكرام. شجرة مكسورة، وأخرى يابسة من العطش، وجرافة تنظف المكان بعنف، كلها تفاصيل صغيرة، لكنها تكشف مشكلة كبيرة في علاقتنا بالطبيعة.
إذا كنا نريد فعلاً مواجهة تغير المناخ، فلنبدأ من أمام بيوتنا، ومن شوارعنا، ومن حدائقنا، ومن الأشجار التي نستطيع أن نراها ونحميها.
فمن السهل أن نتحدث عن إنقاذ غابات العالم، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما نرى شجرة أمامنا تحتاج إلى قليل من الماء، أو تحتاج إلى أن نوقف الجرافة قبل أن تكسر ساقها.
قد لا تستطيع الشجرة أن تتكلم، لكنها تسألنا بصمت:
إذا لم تحموني وأنا أمام أعينكم، فمن سيحمي غابات الأردن؟