د. خالد العاص
لا يظهر حلم الوصول إلى كأس العالم بالنسبة للمنتخب الأردني بوصفه هدفاً رياضياً فحسب، بل باعتباره مشروعاً ممتداً يتجاوز حدود المستطيل الأخضر، ليتصل بمعاني التراكم والصبر وبناء الهوية الرياضية على المدى الطويل؛ فـالنشامى لا يسعون إلى بطاقة تأهل عابرة، بل إلى تثبيت حضور الأردن على خريطة كرة القدم العالمية كمنتخب قادر على المنافسة، لا مجرد المشاركة الرمزية.
وفي هذا السياق، يكتسب الدعم الذي يقدمه سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، بعداً يتجاوز الإسناد المعنوي التقليدي، ليأخذ طابعاً استراتيجياً مرتبطاً برؤية أوسع لتمكين الشباب وتطوير القطاع الرياضي. وهذا الحضور المستمر يعزز مكانة المنتخب بوصفه مشروعاً وطنياً جامعاً، ويمنحه زخماً إضافياً ينعكس على الحالة العامة لكرة القدم الأردنية من حيث الاهتمام والتطوير والمتابعة.
خلال السنوات الأخيرة، قدّم المنتخب الأردني مؤشرات واضحة على تطور في الأداء ونضج في الشخصية داخل الملعب، حيث بات أكثر تماسكاً على المستوى الذهني وأكثر قدرة على التعامل مع لحظات الضغط. غير أن بلوغ المونديال لا يُقاس بلحظات فردية من التألق، بل بقدرة المنظومة الكروية على تحويل هذا التحسن إلى مسار مستدام من التطوير والتراكم الفني.
التحدي الحقيقي لا يكمن في غياب المواهب، بل في إدارة هذه المواهب ضمن رؤية وطنية طويلة الأمد؛ فالوصول إلى كأس العالم يتطلب منظومة متكاملة تبدأ من الفئات العمرية، مروراً بتطوير الدوري المحلي، وصولاً إلى منتخب يمتلك خبرة الاحتكاك الدولي والقدرة على التعامل مع المباريات الحاسمة تحت أعلى درجات الضغط.
كما أن كرة القدم الحديثة لم تعد تحسم بالمهارات الفردية وحدها، بل أصبحت قائمة على تفاصيل دقيقة تشمل التحليل التكتيكي، والإعداد البدني، والاعتماد على علوم الأداء الرياضي. ومن هنا تتعاظم أهمية الاستثمار في البنية التحتية، وتطوير الكوادر الفنية، وتوسيع دائرة الاحتراف الخارجي للاعبين، باعتبارها عناصر حاسمة في بناء منتخب تنافسي.
ومن زاوية موازية، يظل الدعم الجماهيري أحد أهم ركائز قوة "النشامى"؛ فالجمهور لا يكتفي بدور المتابعة، بل يشكل رافعة معنوية ودافعاً للاستمرارية، ويخلق حالة من الالتفاف حول المنتخب باعتباره منظومة متكاملة تتجاوز النتائج اللحظية، ويمنح اللاعبين طاقة إضافية في لحظات الحسم.
ورغم تعقيد الطريق، فإن الوصول إلى المونديال لا يبدو حلماً مستحيلاً بقدر ما هو نتيجة لتراكم القرارات الصحيحة: استقرار فني، وتطوير داخلي، واحتراف خارجي، ورؤية واضحة لا تتأثر بتقلبات النتائج.
في النهاية، يبقى حلم المونديال بالنسبة للنشامى اختباراً حقيقياً لقدرة كرة القدم الأردنية على تحويل الطموح إلى إنجاز، والرؤية إلى واقع. وبين الحلم ومساره الطويل، تتشكل القصة الأهم: قصة وطن يؤمن بأن الوصول إلى كأس العالم ليس محطة أخيرة، بل بداية مرحلة جديدة تُثبت فيها الكرة الأردنية حضورها على الساحة العالمية بثقة واستحقاق.