نبض البلد - بقلم نضال انور المجالي.
ليس أدعى للحسرة ولا أشد إيلاماً لنفس المواطن الأردني من أن يقف غريباً على أرضه، يرمق شواطئها وآثارها بنظرات الشغف، ثم يعود أدراجه محبطاً لأن كلفة الحلم بالاستجمام داخل حدود الوطن باتت تعجز عنها الرواتب وتنوء بحملها الميزانيات الأسرية. إن حق الأردني في التمتع بكنوز بلاده الطبيعية والتاريخية ليس منّة من أحد، ولا رفاهية فائضة عن الحاجة، بل هو حريّة أساسية وانتماء يترسخ بالمعايشة والتجربة، لا بالشعارات الرفيعة والخطابات الرنانة.
كيف يعقل، وفي أي معادلة اقتصادية أو منطقية، أن تصبح رحلة ليلتين إلى العقبة تشكل عبئاً مالياً يوازي — بل يتجاوز في كثير من الأحيان — كلفة سفر عائلة ل أربعة أيام كاملة إلى وجهات سياحية إقليمية شاملة التذاكر والإقامة والخدمات؟ هذا التشوه الصارخ في تسعير المنتج السياحي المحلي لم يعد مجرد ملاحظة عابرة في مجالس المواطنين، بل تحوّل إلى استنزاف حقيقي لمنظومة السياحة الوطنية، ودفعاً قسرياً للأردنيين لنقل أموالهم وطاقاتهم الشرائية خارج الحدود.
إن الأردن يمتلك من التنوع الجغرافي والجمالي ما يجعله جوهرة الشرق؛ من سحر رم وعظمة البترا إلى دفء البحر الميت وثغر الأردن الباسم في العقبة. ولكن ما قيمة هذه الكنوز إذا ضربت حولها أسوار غير مرئية من الغلاء الفاحش؟ ماذا يعني أن تصبح أسعار الغرف الفندقية والمطاعم والخدمات في المنتجعات المحلية موجهة حصراً لكبار الميسورين أو للسائح الأجنبي، بينما يُترك المواطن في مواجهة خيارين لا ثالث لهما: إما كسر ميزانيته أو البقاء في بيته؟
المطلوب اليوم ليس مجرد حملات ترويجية موسمية خجولة، بل مراجعة جذرية ومسؤولة لسياسات الاستثمار والضرائب والخدمات السياحية. إن إعادة بناء منظومة أسعار تشجيعية عادلة تعطي الأولوية للمواطن هي استثمار استراتيجي في الاقتصاد الوطني وفي معنويات الناس. فالسياحة الداخلية ليست خياراً ثانوياً يُلتفت إليه وقت الأزمات، بل هي الركيزة الصلبة لاستقرار هذا القطاع.
لقد آن الأوان لترجمة الوعود إلى قرارات جادة تضمن للأردني حق الاستمتاع بوطنه دون أن يُطالب بدفع ثمن تعجيزي؛ فالوطن الذي يبنيه أبناؤه بعرقهم وجباههم السمراء هو الأولى بأن يفتح لهم أحضانه، ليظل البحر الأردني ملكاً لكل أردني، لا حكراً على من يملك القدرة على التحليق بعيداً.
حفظ الله الاردن والهاشمين