نبض البلد -
محمد شاهين
في الوقت الذي يُفترض فيه أن تبني المؤسسات الرسمية جسور الثقة بينها وبين المواطنين، وأن تعتمد خطابًا عقلانيًا يحفّز الوعي والمسؤولية المشتركة، خرجت وزارة البيئة الأردنية بمنشور عبر منصاتها الرقمية يحمل نبرة هجومية وتوبيخية تجاه المجتمع الأردني، مستخدمة عبارات من قبيل: "استحوا”، و”الشارع مش سلة زبالة”، و”هاي بلدنا… والوساخة مش من شيمنا”.
ورغم أن الحفاظ على النظافة العامة مسؤولية جماعية لا يختلف عليها اثنان، إلا أن طريقة الطرح بحد ذاتها تثير تساؤلات عميقة حول لغة الخطاب الحكومي الجديدة، وحدود احترام المواطن في الحملات التوعوية الرسمية.
المشكلة هنا ليست في الدعوة للنظافة، بل في الأسلوب الذي جرى فيه توجيه الرسالة؛ فهناك فارق كبير بين التوعية وبين التوبيخ، وبين بناء الوعي وبين شيطنة المجتمع أو تحميله المسؤولية بشكل انفعالي يوحي وكأن الشعب بأكمله متهم بقلة الانتماء أو انعدام الأخلاق.
المواطن الأردني الذي تحمل أعباءً اقتصادية ومعيشية هائلة خلال السنوات الماضية، لا يحتاج من مؤسسات الدولة خطابًا قائمًا على الاستفزاز أو جلد الذات الجماعي، بل يحتاج إلى خطاب يحترم عقله ويعزز حس الشراكة والانتماء الحقيقي.
الأخطر من ذلك، أن عدداً من المؤسسات الرسمية بات يعتمد في إدارة حملاته الرقمية على مؤثرين وصنّاع محتوى لا يحملون أي تأهيل مهني في الإعلام أو الاتصال الجماهيري أو إدارة الرأي العام، ما انعكس بشكل واضح على نوعية الرسائل المنشورة، والتي أصبحت أقرب إلى "الترند” والانفعال العاطفي منها إلى الخطاب المؤسسي الرصين.
إدارة الخطاب الحكومي ليست مساحة للتجريب، وليست محتوى عابرًا يُكتب بلغة مواقع التواصل الاجتماعي بهدف تحقيق التفاعل والمشاهدات. فالمؤسسة الرسمية تمثل الدولة، وكلماتها تُقرأ باعتبارها موقفًا رسميًا لا مجرد رأي شخصي لمؤثر أو مدير صفحة.
ومن هنا، فإن الاستعانة بأشخاص غير متخصصين في مخاطبة الجمهور قد يدفع المؤسسات إلى الوقوع في أخطاء اتصالية خطيرة، أبرزها إنتاج خطاب يُفهم على أنه إهانة للمجتمع بدلًا من تحفيزه، أو خلق حالة من الاستفزاز والسجال بدلًا من بناء الثقة والتعاون.
الحملات الوطنية الناجحة لا تقوم على "التعنيف المعنوي” للمواطن، بل على احترامه، وفهم سلوكه، ومعالجة المشكلة من جذورها عبر أدوات التوعية والتشجيع والشراكة المجتمعية. كما أن النظافة العامة ليست مسؤولية المواطن وحده، بل هي مسؤولية مشتركة تبدأ من البنية التحتية والخدمات والرقابة والتوعية المستمرة، وصولًا إلى السلوك الفردي.
إن خطاب الكراهية لا يُقاس فقط بالألفاظ المباشرة، بل أحيانًا بطريقة تصوير المجتمع وكأنه فاقد للانتماء والأخلاق والمسؤولية. وعندما يصدر هذا الخطاب من جهة رسمية، فإن أثره يصبح أخطر، لأنه يضع المواطن في موقع الاتهام بدلًا من موقع الشريك.
نحتاج اليوم إلى مراجعة حقيقية لطبيعة الخطاب الحكومي على المنصات الرقمية، وإعادة الاعتبار للإعلام المهني المتخصص في إدارة الرسائل العامة، بعيدًا عن عقلية "الترند” والاستعراض الرقمي، لأن احترام المواطن ليس خيارًا… بل أساس أي علاقة صحية بين الدولة والمجتمع.