نبض البلد -
د. أيوب أبودية
في تصريحٍ أثار كثيراً من التأمل والقلق، قال أحد الرؤساء الأمريكيين إن تكاليف الحرب في المنطقة، بما فيها الحرب الأخيرة مع إيران، قد تم دفعها عملياً من قبل الدول الخليجية. قد يبدو هذا القول عند البعض مجرد تصريح سياسي عابر، لكنه في الحقيقة يكشف عن منطق عميق يحكم العلاقات الدولية المعاصرة، حيث تتحول القوة العسكرية إلى أداة ضغط وابتزاز وغطرسة، وتتحول التحالفات إلى صفقات مالية أكثر منها شراكات متكافئة. لقد ترك هذا التصريح أثراً عميقاً في نفسي، لأنه يطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن لدولٍ تمتلك ثروات هائلة وموارد بشرية وموقعاً جغرافياً استراتيجياً وتاريخا عظيما أن تبقى عرضة لمثل هذا النوع من الابتزاز السياسي والاقتصادي؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تقودنا مباشرة إلى فكرة طالما جرى الحديث عنها في الفكر العربي الحديث والمعاصر، وهي فكرة الوحدة العربية. فالتجربة التاريخية تُظهر أن الدول المتفرقة، مهما كانت غنية، تبقى ضعيفة أمام القوى الكبرى، بينما تصبح الدول أكثر قدرة على حماية مصالحها عندما تتكامل اقتصادياً وسياسياً. لذلك فإن راهنية الوحدة العربية اليوم ليست مجرد حلم رومانسي أو شعارٍ قومي، بل أصبحت ضرورة استراتيجية في عالم تحكمه التكتلات الكبرى.
لقد أدرك عدد من المفكرين والاقتصاديين العرب هذه الحقيقة منذ زمن، ومن بينهم الاقتصادي المعروف سمير أمين، الذي كان يرى منذ مطلع التسعينيات أن الطريق الواقعي نحو الوحدة يبدأ من التكامل الاقتصادي، كما فعل الاقتصادي سميح مسعود الذي رحل مؤخرا. فالوحدة السياسية الشاملة قد تكون هدفاً بعيد المدى، لكنها تحتاج أولاً إلى أرضية اقتصادية مشتركة تقوم على المصالح المتبادلة والأسواق المترابطة والبنى التحتية المشتركة. وعندما تتشابك الاقتصادات يصبح الانفصال مكلفاً، بينما يصبح التعاون خياراً طبيعياً.
وفي هذا السياق يمكن القول إن دول الخليج العربية قد خطت بالفعل خطوة مهمة في هذا الاتجاه، على الأقل من حيث التنسيق السياسي والاقتصادي النسبي الذي تحقق عبر المؤسسات المشتركة بينها. فقد استطاعت هذه الدول أن تبني مستوى معيناً معقولا من التعاون في مجالات التجارة والطاقة والاستثمار والدفاع عبر مجلس التعاون الخليجي GCC، وهو ما منحها وزناً إقليمياً لا يمكن إنكاره. صحيح أن هذا التكامل لم يصل بعد إلى مستوى الاتحاد الاقتصادي الكامل، لكنه يمثل تجربة يمكن البناء عليها وتطويرها.
ومن هنا تبرز فكرة تأسيس نواة وحدة اقتصادية خليجية قوية. فالدول الخليجية تمتلك عناصر قوة كبيرة: ثروات طاقوية هائلة، صناديق سيادية ضخمة، بنية تحتية متطورة، وموقعاً استراتيجياً يربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا. وإذا تم توحيد السياسات الاقتصادية والمالية بينها بشكل أعمق، فإنها تستطيع أن تشكل أحد أهم التكتلات الاقتصادية في العالم.
لكن الأهم من ذلك هو أن هذه النواة الاقتصادية يمكن أن تصبح قاعدة لتوسيع دائرة التكامل العربي. فبعد ترسيخ التكامل الخليجي، يمكن فتح المجال تدريجياً لضم دول عربية أخرى تمتلك موارد بشرية واقتصادية مهمة مثل مصر والأردن والعراق وسوريا واليمن. فهذه الدول، رغم ما تواجهه من تحديات سياسية واقتصادية، تمتلك إمكانات هائلة من حيث عدد السكان والموارد الطبيعية والموقع الجغرافي.
إن تصور وحدة اقتصادية تضم هذه الدول لا يعني بالضرورة ذوبانها في دولة واحدة، فحكامها يحافظون على نفوذهم ومواقعهم، بل يمكن أن يبدأ على شكل سوق عربية مشتركة حقيقية تقوم على حرية انتقال السلع ورأس المال والعمالة، إضافة إلى مشاريع كبرى للبنية التحتية والطاقة والنقل. فعلى سبيل المثال، يمكن أن تتكامل الثروة النفطية والمالية في الخليج مع الكثافة السكانية والطاقات البشرية والزراعية في مصر والسودان وبلاد الشام، ومع الموقع الاستراتيجي للأردن واليمن. هذا النوع من التكامل من شأنه أن يخلق اقتصاداً إقليمياً ضخماً قادراً على التفاوض مع القوى العالمية من موقع قوة لا من موقع التبعية. والهروب صوب بناء قناة جديدة في السعودية والامارات لتجنب مضيقي هرمز وباب المندب لن يمنع أي قوة قادرة من اغلاقها في المستقبل، كما لا يمنع أي تحالف مع قوة خارجية من خرقه، كما حدث مع دولة قطر الشقيقة العام الماضي عندما قصفت من حليفا الأعظم.
إن التجربة العالمية تقدم لنا نماذج واضحة على نجاح هذا النوع من التكامل. فالاتحاد الأوروبي، الذي يضم دولاً ذات لغات وثقافات مختلفة، استطاع أن يبني واحدة من أكبر الكتل الاقتصادية في العالم بفضل التكامل التدريجي في الاقتصاد والتشريعات والمؤسسات منذ عام ١٩٥١ الذي بدأته فرنسا وألمانيا باتفاقية الصلب والفحم. وإذا كانت أوروبا قد نجحت في تحقيق هذا المستوى من التعاون رغم اختلافاتها التاريخية، فإن الدول العربية تمتلك عوامل مشتركة أكبر بكثير، مثل اللغة والثقافة والتاريخ.
غير أن الوحدة الاقتصادية وحدها لا تكفي إذا لم تترافق مع إصلاح سياسي ديمقراطي داخل هذه الدول. فالتجربة التاريخية تظهر أن القرارات الفردية أو الضيقة قد تجعل الدول أكثر عرضة للضغوط الخارجية. أما عندما يصبح القرار سياسياً نابعاً من إرادة شعبية ومؤسسات ديمقراطية، فإنه يكتسب شرعية وقوة أكبر.
الديمقراطية هنا ليست مجرد قيمة أخلاقية، بل هي أيضاً أداة لحماية القرار الوطني. فعندما تكون السياسات الكبرى خاضعة لنقاش عام ومؤسسات تمثيلية حقيقية، يصبح من الصعب تمرير قرارات استراتيجية تمس سيادة الدولة دون مساءلة. كما أن الشعوب عندما تشعر بأنها شريكة في القرار تصبح أكثر استعداداً للدفاع عن مصالحها الوطنية.
ومن هذا المنظور يمكن القول إن الوحدة الاقتصادية والديمقراطية السياسية مساران متكاملان. فالتكامل الاقتصادي يعزز الاستقرار والتنمية، بينما تعزز الديمقراطية الثقة بين الدولة والمجتمع. ومعاً يشكلان أساساً لقوة إقليمية قادرة على حماية مصالحها.
إن العالم اليوم يعيش مرحلة تحولات كبرى، حيث تتشكل تكتلات اقتصادية وسياسية ضخمة في آسيا وأوروبا والأمريكيتين، خاصة في ظل اغلاق مضيق هرمز، حيث تتهدد مصالح عمالقة الشرق، كالصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، بتراجع إمدادات النفط، وتتهدد مصالح الخليج بانقطاع امدادات الغذاء والعملة الصعبة. عندها ستجد أن عُمان واليمن والأردن وسوريا والعراق سوف تهب لنجدتها غذائيا.
ففي مثل هذا العالم لا يمكن للدول الصغيرة والمتفرقة أن تحافظ بسهولة على استقلال قرارها. لذلك فإن التفكير في مشروع وحدوي عربي لم يعد ترفاً فكرياً، بل أصبح ضرورة تاريخية. إن الخطوة الأولى قد تبدأ من تعميق التكامل الخليجي اقتصادياً، ثم توسيع هذا الإطار ليشمل دولاً عربية أخرى على أساس المصالح المشتركة والتنمية المتبادلة. ومع مرور الوقت، ربما في غضون عشرات السنين، يمكن أن يتطور هذا التعاون إلى شكل أوسع من الوحدة الاقتصادية والسياسية.
وبناء عليه، فإن قوة الدول لا تُقاس فقط بحجم جيوشها أو ثرواتها، بل بقدرتها على تحويل مواردها إلى مشروع جماعي يخدم مستقبل شعوبها. فإذا استطاعت الدول العربية أن تبني اقتصاداً متكاملاً ونظاماً سياسياً أكثر ديمقراطية، فإنها لن تكون مجرد ساحة للصراعات الدولية، بل ستصبح فاعلاً حقيقياً في رسم مستقبل المنطقة والعالم.
ربما تبدو الطريق طويلة، لكن كل مشروع كبير يبدأ بفكرة. وفكرة الوحدة العربية، حين تُفهم اليوم بوصفها مشروعاً اقتصادياً وتنموياً وديمقراطياً مستداما، قد تكون إحدى أهم المفاتيح للخروج من دائرة التبعية والابتزاز والتنمر. وعندئذ فقط يمكن أن تتحول ثروات المنطقة من مصدرٍ للضغط الخارجي إلى أساسٍ لقوةٍ عربيةٍ قادرةٍ على حماية كرامتها وصنع مستقبلها بثقة وأمل.