نبض البلد - فايز الشاقلدي
يأتي شهر رمضان كل عام ليُعيد ترتيب أولوياتنا، ويضعنا وجهًا لوجه أمام سؤال أخلاقي بسيط لكنه عميق، لماذا ما زال بيننا فقير وجائع، وفي عائلاتنا من يملك فائضًا يكفي ويزيد؟
رمضان ليس فقط شهر صيام عن الطعام والشراب، بل هو مدرسة عملية في الإحساس بالآخر، حين نشعر بالجوع لساعات، ندرك ولو قليلًا ما يعيشه غيرنا أيامًا وسنين.
وحين نجلس إلى موائد عامرة، يفترض أن نستحضر وجوهًا أخرى لا تجد ما تفطر عليه،هنا تتجلى قيمة التكافل الاجتماعي، لا كشعار يُرفع، بل كسلوك يُمارس.
لكن الواقع يطرح تساؤلًا مؤلمًا، لماذا لا يعطي الغني الفقير من عائلته؟ لماذا نرى في الأسرة الواحدة من يبني ويترفّه، بينما قريب له يعجز عن سداد فاتورة كهرباء أو شراء كسوة لأطفاله؟ أليس الأقربون أولى بالمعروف؟
لو أن كل مقتدر نظر في دائرة عائلته الصغيرة قبل أن يلتفت بعيدًا، لخفّ العبء عن المجتمع بأكمله ، تخيّلوا لو أن كل غني تكفّل بأسرة محتاجة من أقاربه، أخ، أخت، عم، خال، ابن عم ، جار ، فقير..الخ كم ستتقلص أرقام الفقر؟ كم من طفل سينام شبعان؟ وكم من أم ستكفّ دموعها خجلًا من السؤال؟
المشكلة ليست دائمًا في قلة المال، بل أحيانًا في غياب الشعور بالمسؤولية، بعضهم يظن أن إخراج الزكاة مرة في العام كافٍ، وينسى أن التكافل روح مستمرة لا موسمية وبعضهم يخشى أن "يعتاد” الفقير على العطاء، فيفضّل أن يغضّ الطرف، بينما الحقيقة أن الكرامة تُحفظ حين يُعان القريب سرًا ويُصان وجهه عن السؤال أمام الناس.
رمضان يذكّرنا بأن المال أمانة، وأن البركة لا تقاس بحجم الرصيد، بل بصدق النية ونقاء القلب ،العطاء في هذا الشهر ليس مجرد صدقة عابرة، بل إعادة توزيع للرحمة داخل المجتمع. هو دعوة لترميم ما تصدّع بين الأقارب، ولإحياء صلة الرحم بالفعل لا بالكلام فقط.
وليس التكافل ماديًا فحسب؛ فقد يكون بسداد دين، أو توفير فرصة عمل، أو تعليم شاب، أو كفالة يتيم من العائلة قبل البحث بعيدًا. الكلمة الطيبة، والزيارة، والسؤال، كلها أشكال من العطاء تُشعر المحتاج بأنه ليس وحده.
لو فهمنا أن "أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس”، لأدركنا أن الغنى الحقيقي ليس فيما نملك، بل فيما نعطي، ولو بدأ كل واحد منا بخطوة صغيرة في محيطه القريب، لما بقي بيننا محتاج بلا سند.
فلنجعل من رمضان نقطة تحوّل حقيقية، لا موسمًا عابرًا. لنجعل التكافل ثقافة دائمة لا حملة مؤقتة ، فمجتمع يُطعم بعضه بعضًا، ويسند بعضه بعضًا، لا يعرف الفقر إلا كذكرى، ولا يترك أبناءه أسرى الحاجة ،رمضان فرصة… فهل نغتنمها؟