يقال كثيرًا إن العمر مجرد رقم، عبارة نرددها أحيانًا للتخفيف من وطأة الزمن، أو لمقاومة خوفٍ خفيّ من التقدّم في السن، لكن السؤال الأصدق ربما ليس: كم عمرنا؟ بل:كم وكيف كبرنا ؟ وما الذي يشيخ فينا فعلًا: هل الجسد أم الروح أم كلاهما معا؟
الحقيقة هي أن الجسد لا يعرف المجاملة، هو سجلّ مفتوح للسنوات، مهما حاول الإنسان إخفاء آثار الزمن عنه سواء من خلال نظام حياة صحي، ممارسة الرياضة، التغذية السليمة، أو من خلال التقدّم الطبي، والعمليات التجميلية كلها وسائل تؤخر مظاهر الشيخوخة، تُنعّم حضورها، لكنها لا تلغيها ولا توقفها، فالجسد يشيخ، هذه سنّة راسخة لا يمكن كسرها، وكل محاولة لإنكارها ليست سوى تأجيل للحظة الاعتراف.
اذن العمر ليس مجرد رقم بالنسبة للجسد، بل هو زمنٌ مكتوب على الملامح، في التعب، وفي التغيّر البطيء الذي لا نشعر به إلا حين ننظر إلى صورٍ قديمة أو نقارن بين أمسٍ واليوم.
لكن ماذا عن الروح؟
الروح لا تخضع للقوانين ولا تُقاس بالسنين، ولا تُحدّد بعقارب الساعة، قد يشيخ الجسد وتبقى الروح شابة، خفيفة، قادرة على الاحساس بأقصى درجات المشاعرمن فرح وحزن، قادرة على الضحك والحلم . وقد يشيخ الجسده وتشيخ الروح معه، فتثقل، وتنطفئ، وتفقد شغفها بالحياة، بل إن بعض الأرواح تشيخ باكرًا، قبل أن يشيب الجسد أصلًا.
ربما الروح لا تشيخ ، لكنها تتأثر، تتعب، تنضج، تتشكّل، تمرّ عبر الهموم، تتألم بالخسارات، وتنضج بالتحديات، فتتعلم الصبر، وتكتسب الحكمة، وتعرف معنى القوة والضعف معا، صحيح أن الروح لا تبقى كما كانت، لكنها أيضًا لا تفقد جوهرها بل تظل سماتها الأساسية ترافق الإنسان طوال حياته؛ إما روح جميلة ومرحة، أو روح قلقة ومثقلة، أو روح صلبة لا تنكسر بسهولة.
قد تخفت خفة الروح ، وقد تبتعد البراءة الأولى، كلما زاد الوعي وكلما مررنا بتجارب وخضنا معارك الحياة، لهذا، يبدو العمر حالة مختلفة لكل إنسان، ليس رقمًا واحدًا، ولا تجربة متشابهة. هناك من يحمل سبعين عامًا بروحٍ مفعمة بالحياة، وهناك من يحمل ثلاثين عامًا بروحٍ مرهقة. الفرق لا تصنعه السنوات وحدها، بل ما مرّ به الإنسان، وكيف واجهه، وما الذي سمح له أن يسكن روحه ويبقى فيها.
العمر إذن ليس مجرد رقم، ولا حقيقة مطلقة، هو حقيقة جسدية لا مفرّ منها، وحالة روحية أكثر مرونة وإنسانية، حتى الموت فإنه يداهم الجسد، يتوقف القلب ويتوقف الدماغ ولكن الروح تصعد لبارئها.
وربما الجمال الحقيقي لا يكمن في
محاولة إيقاف الشيخوخة، ولا في مطاردة شبابٍ لن يعود، بل في أن نسمح للروح أن تكبر
دون أن تفقد ذاتها، أن نكبر ونحن نحمل وعينا لا ثقلنا، وحكمتنا لا انطفاءنا.
أن تنضج الروح… لا أن تذبل.
هيفاء غيث