نبض البلد -
حاتم النعيمات
بعد اعتقال رئيس ڤنزويلا على يد قوات أمريكية من وسط العاصمة كاراكاس، لم يعد الأمر يحتاج الكثير من التحليل والتكهنات، فالعملية بدت وكأنها حفل لإعلان سياسة أمريكية جديدة لا تشكل فيها ذريعة "نشر الديموقراطية والحرية" حجر الأساس كما كان سابقًا؛ فحديث أعضاء الإدارة الأمريكية لحظة الإعلان عن نجاح العملية يراد منه إيصال رسالتين: الأولى، أن الولايات المتحدة لم تعد تحتاج الذرائع لتبرير ما تفعله، والثانية ومفادها أن فكرة إسقاط الأنظمة نضجت وأصبحت سهلة ويمكن تنفيذها بأقل الأضرار.
صحيح أن هذا السلوك الأمريكي ليس بجديد، وقد حدث مع عدة زعماء سابقًا، لكن ما هو جديد هو أن البيئة الدولية أصبحت مختلفة كنتيجة لتورط روسيا بحرب استنزاف في أوكرانيا، وسيادة السمة التجارية الجبانة على السياسة الصينية، يضاف إلى ذلك حيرة أوروبا من أمرها أمام تذبذب السياسية الأمريكية وسوء ائتمانها.
لذلك، أعتقد أن الجميع مطالب اليوم بالحديث عن شكل العالم القادم، وما سيتغير في البنية الداخلية للدول بناءًا عليه، أكثر من السعي الكلاسيكي لتثبيت وصف الدولة الشريرة على أمريكا، فواشنطن لم تعد تهتم لتصنيفها بالمطلق. الدول مطالبة اليوم بتعديلات وتغيرات لا مفر من إجرائها لتصبح أكثر قدرة على التكيُّف مع حقبة جديدة يقص شريطها دونالد ترامب اليوم.
تفاعل الأحداث وتموضعات القوى الدولية يقولان أن قراءة العالم باستخدام نظرية الأقطاب لن ينجح في المستقبل، فالنظام العالمي لا يسعى اليوم إلى تكوين قطب ينافس الولايات المتحدة بقدر ما يسعى إلى التكيُّف مع فكرة أن الجميع متوافق مع واشنطن لكن بدرجات متفاوتة. هذا تدريج أفضل باعتقادي لفهم العالم الجديد.
بالمحصلة، هناك مهمة داخلية لدى الحكومات وهي الوصول إلى أعلى مستوى من الرضا الشعبي، إذ ثبت أن هذا الرضا مهم جدًا في التعامل مع النظام العالمي الجديد، وفي تحسين شروط التفاوض مع القوى الفاعلة فيه كالولايات المتحدة، وثبت أيضًا أن لا يمكن استبداله بالصمت المشفوع بالخوف، ولا أقصد هنا مجاملة القوى التي تدعي أنها تطالب بالحقوق وهي مرتبطة بمشاريع خارجية وأهداف غير وطنية.
كنتيجة لذلك كله، فإن قيمة التحالف مع واشنطن أصبحت كبيرة، وهذه حقيقة لا تخضع للعواطف والرغبات، والقصة ليست في موثوقية واشنطن كحليف من عدمها بقدر ما هي وصفة لا مناص منها جوهرها هو إيجاد مصالح معها لأطول فترة ممكنة.
الأردن واحدة من الدول التي تدرك هذا الشكل الجديد للعالم، لذلك اعتمدت عمّان على علاقة تاريخية قوية مع أمريكا وعلى علاقات متوازنة مع البقية، واستطاعت السياسة الأردنية بموجب ذلك خلق مساحة خاصة من الحرية في التعامل مع سلوك الولايات المتحدة: فالأردن مثلًا، رفض صفقة القرن، والتهجير، والتوطين، والتدخل في غزو العراق ولديه علاقات غاية في السوء مع تل أبيب، ومع ذلك لديه علاقة قوية مع جميع مؤسسات الدولة الأمريكية بما في ذلك البيت الأبيض بطبيعة الحال.
جلد السياسة الأردنية الخارجية رغم نجاحها هو ظلم يجب أن يتوقف، فالنتائج تقول ببساطة أننا نجحنا طوال 105 سنوات في البقاء والتطور كدولة، وتقول أيضًا أن غيرنا ممن اختاروا القفز في المجهول يعانون من أزمات عميقة. وللتأكيد فإن نجاح السياسة الأردنية لم يكن بسبب تقديم تنازلات، بل كان بسبب كفاءة الديبلوماسي الأردني في إيجاد مساحة للمناورة أمام واشنطن باستخدام الظرف الراهن.
العالم يتغير وجميع المفاهيم القديمة أصبحت تحت المراجعة اليوم، ولا يمكن استخدام أدوات القياس والتفاعل القديمة، فسرعة التغيرات وحدتها وشكلها الدرامي لا يمكن علاجه بالبيانات والمواقف القائمة على الجمود الأيدولوجي.