نبض البلد - عمر الخطيب
لم أكن أعلم أنني سأغادر محطة الوقود ذلك الصباح وأنا أشعر بأنني رجل ثري، رغم أنني لم أربح دينارا واحدا، كل ما حدث أنني طلبت عشرة دنانير من البنزين ثم سمعت رجلا يطلب دينارا ونصفا.
كنت في طريقي إلى عملي حين اكتشفت أن خزان سيارتي يكاد يكون فارغا ، فتوقفت عند إحدى محطات الوقود وأوقفت سيارتي أمام مضخة "أوكتان 90" وأطفأت المحرك وفتحت غطاء الخزان ثم رفعت رأسي لأجد صديقا قديما يعمل هناك تبادلنا التحية وسأل كل منا الآخر عن أحواله قبل أن أقول له: "بعشرة دنانير بنزين لو سمحت".
شعرت بشيء من الحرج ... عشرة دنانير فقط! كنت أعتقد أن المبلغ بالكاد يكفيني للوصول إلى عملي والعودة منه، وكأنني أطلب شيئا لا يليق بسيارة يفترض أن تقطع بي الطريق كل يوم.
وبينما كنت أتحدث مع صديقي عن العمل وأعباء الحياة توقفت سيارة إلى جوارنا لم تكن حديثة ولا قديمة تماما وإنما من تلك السيارات التي يواصل أصحابها استخدامها ما دامت قادرة على السير وانخفض زجاج النافذة وأطلّ شاب من خلف المقود ثم قال للعامل بصوت خافت "بدينار ونصف بنزين"
التفتُّ إليه بدهشة ...دينار ونصف؟ ماذا يمكن أن تفعل هذه الكمية في سيارة؟ نظرت إلى صديقي، لكنه واصل عمله بهدوء، وكأن الأمر أصبح مألوفًا لديه، لم أستطع كبح فضولي فسألت الشاب بدهشة واستغراب "شو رح تعمل دينار ونص يا زلمة"
فأجابني بأنه يريد فقط تحريك سيارته إلى مكان آمن، ليصفّها هناك ويعود إليها لاحقا فأسعار البنزين مرهقة، وكما قال " انداري لوين رايحين وانداري عن هالحكومة" من ثم صمتُّ للحظة حتى استوعب ما حصل .
كنت قبل دقائق أشعر بالحرج لأنني طلبت تعبئة بعشرة دنانير بينما كان هذا الشاب يطلب دينارا ونصفا محاولا تدبير أمره بما يستطيع دفعه أنا أرى العشرة قليلة وهو يحتاج إلى أقل منها بكثير لا لأنها تكفيه بل لأنها ما يستطيع توفيره.
ابتسمت في سرّي وقلت: "اوووه كم أنا غنيّ!" بسخرية .
لم يتغيّر ما في جيبي، ولم أصبح أكثر ثراءً لكن تلك العشرة الدنانير التي خجلت من طلبها بدت فجأة كأنها كنز، وكانت هنا المفارقة ماذا لو كان هذا الشاب يملك عشرة دنانير؟ هل كان سيشعر بالحرج نفسه الذي شعرته انا أم كان سيكون راضيا.
غادرت المحطة لكن السؤال بقي يرافقني ولم أعد أفكر في كمية البنزين التي اشتريتها وإنما في الواقع الذي يجعل شخصا يشعر بأن عشرة دنانير لا تكفيه فيما يتمنى آخر لو كان يملكها.
يا لسخرية الحياة! دخلت المحطة خجلا من عشرة دنانير وخرجت أشعر أنني غني أما ذلك الشاب فربما لم يكن ينقصه المال ليملأ خزان سيارته فحسب؛ ربما كان ينقصه أن يعيش يوما لا يضطر فيه إلى حساب ما تبقّى في جيبه قبل أن يقرر إلى أين يمكنه الذهاب في تلك اللحظة، أدركت أنني لم أكن أغنى منه بعشرة دنانير وإنما كنت أغنى منه بقدرتي على ألّا أفكر فيها في قادم الايام .