هل يمهّد ارتفاع الديزل لموجة غلاء جديدة في الأردن؟

نبض البلد - رفع السعر بعد أشهر من التثبيت يسلط الضوء على كلف الإنتاج والنقل

دية : ارتفاع أسعار الديزل يهدد المواطنين بغلاء السلع والخدمات
بلاسمة : تثبيت أسعار الديزل ينقل الكلفة من المستهلك إلى الخزينة

 عمر الخطيب
لم يعد ارتفاع أسعار الديزل مجرد تطور في أسواق الطاقة العالمية وإنما بات اختبارا لقدرة الاقتصاد الأردني على التعامل مع صدمات الوقود وتوزيع كلفتها بين الخزينة والقطاعات الاقتصادية والمستهلكين ، فبعد أن رفعت الحكومة سعر اللتر 6 قروش في حزيران الماضي ليبلغ 85 قرشا، ثبّتته خلال تموز وآب وأيلول قبل أن ترفعه مجددا 5 قروش اعتبارا من الأول من تشرين الأول ليصل إلى 90 قرشا.
جاءت الزيادة في وقت كانت فيه أسواق الديزل العالمية تواجه ضغوطا متصاعدة على الإمدادات بفعل اضطرابات الشحن وتراجع المخزونات وقرارات تقييد الصادرات، ففي الأول من تشرين الأول أفادت وكالة "رويترز" بأن مصافي صينية علّقت صادرات منتجات نفطية إلى وجهات خارج هونغ كونغ وماكاو خلال الشهر، لإعطاء الأولوية للسوق المحلية فيما أعلنت دول مجموعة السبع في اليوم التالي الإفراج عن نحو 100 مليون برميل من الاحتياطيات النفطية لمواجهة اضطرابات الإمدادات.
وتضاف هذه التطورات إلى مؤشرات أوردتها "إس آند بي غلوبال" في أيلول بشأن اقتراب أسعار شحنات الديزل الفعلية في أوروبا من مستويات قياسية، بفعل اضطرابات الإمدادات وتراجع المخزونات والقيود المفروضة على الصادرات الروسية، وتوضح هذه المؤشرات أن تأمين الديزل لا يرتبط بسعر النفط الخام وحده وإنما يتأثر أيضا بقدرات التكرير وحجم المعروض ومسارات الشحن.
كلفة تتجاوز سعر اللتر
محليا، لا تتوقف انعكاسات الأزمة عند محطات الوقود فالديزل يدخل في تشغيل وسائل النقل والشحن والآليات والمعدات، ما يجعل تغير سعره عاملا مؤثرا في كلف الإنتاج والتوزيع، وفي المقابل فإن إبقاء السعر المحلي دون الكلفة الفعلية يضع أعباء على الخزينة.
وبحسب وزارة الطاقة والثروة المعدنية، بلغت الكلفة الفعلية للتر الديزل في تسعيرة تشرين الأول نحو 1.077 دينار، مقابل سعر بيع للمستهلك عند 900 فلس، فيما وصل إجمالي الدعم وفروقات الأسعار لجميع المشتقات النفطية المشمولة إلى نحو 255 مليون دينار منذ بداية الأزمة وحتى نهاية أيلول، ولا يقتصر هذا المبلغ على الديزل وحده وإنما يشمل المشتقات النفطية الأخرى المشمولة بالدعم وفروقات الأسعار.

اضطراب الإمدادات وتداعياته الاقتصادية
من جانبه، يبين الخبير الاقتصادي منير دية أن ارتفاع أسعار الديزل 5 قروش للتر في تسعيرة تشرين الأول، ووصولها إلى 90 قرشاً، يرتبط بالأحداث في الشرق الأوسط والحرب الروسية الأوكرانية، إلى جانب تضرر مصافي التكرير والإنتاج وصعوبات إيصال الوقود وتقطع سلاسل الإمداد والتوريد وأزمة الشحن في مضيقي هرمز وباب المندب، ما أدى إلى تأخر وصول الإمدادات إلى الأسواق العالمية، ولا سيما مع اقتراب فصل الشتاء وارتفاع حاجة الدول، خصوصاً الأوروبية، إلى الديزل للتدفئة.
ويؤكد دية أن الديزل يشكل عصبا أساسيا لقطاعات النقل والصناعة والزراعة والإنتاج والتدفئة، إلى جانب العديد من الأنشطة الاقتصادية المهمة، محذرا من أن ارتفاع أسعاره عالميا وانعكاسه محليا قد يترك تداعيات على المواطنين والقطاعات الاقتصادية، من خلال زيادة كلف الأنشطة التي تعتمد عليه، وما قد يتبع ذلك من ضغوط على أسعار السلع والخدمات.
تقليل الاعتماد على الديزل
وفي السياق، يشير خبير الطاقة الدكتور فراس بلاسمة إلى أن ارتفاع أسعار الديزل لم يعد مسألة مرتبطة بكلفة الوقود وحدها، وإنما أصبح عاملاً مؤثراً في كلف الإنتاج وسلاسل التوريد وأسعار السلع، نظراً إلى استخدامه في النقل وتشغيل الآليات والمعدات والعديد من الأنشطة الصناعية واللوجستية.
وعلى المستوى المحلي، يوضح بلاسمة أن ارتفاع كلفة الديزل يضغط على تنافسية القطاعات الاقتصادية، من خلال زيادة نفقات نقل المواد الخام والمنتجات الزراعية والصناعية، بما قد ينعكس تدريجياً على أسعار السلع والخدمات.
ويبين بلاسمة أن تثبيت الأسعار بصورة دائمة ليس حلاً مستداماً، لأنه ينقل الكلفة من المستهلك إلى الخزينة، مؤكداً ضرورة تقليل اعتماد الاقتصاد الأردني على الديزل ورفع كفاءة استهلاك الطاقة.
وفي هذا الإطار، يشدد على أهمية تطوير حقل غاز الريشة وتوسيع استخدام الغاز الطبيعي في الصناعات، إلى جانب دراسة إدخال الغاز الطبيعي المضغوط في النقل الثقيل، وتسريع التحول إلى المركبات الكهربائية حيثما تسمح طبيعة التشغيل بذلك.
أما على المدى القصير، فيؤكد بلاسمة ضرورة حماية القطاعات الإنتاجية وسلاسل الإمداد الحيوية، وتعزيز المخزون الاستراتيجي، ورفع كفاءة النقل والشحن، ومراقبة انتقال كلف الوقود إلى أسعار السلع والخدمات للحد من الضغوط التضخمية، لافتاً إلى أن تقليل اعتماد الاقتصاد على الديزل يمثل أحد المسارات لتعزيز قدرته على مواجهة تقلبات أسواق الطاقة العالمية.