حين تتحول ألعاب الأطفال إلى بيئة رقمية عالية الخطورة

نبض البلد -
روبلوكس.. المنصة التي أقلقت العالم

الأنباط – ميناس بني ياسين

تحوّلت لعبة Roblox خلال السنوات الأخيرة من منصة ترفيهية رقمية تستهدف الأطفال والمراهقين إلى واحدة من أكثر البيئات الرقمية إثارة للقلق عالميًا بعد تصاعد التحذيرات من مخاطرها النفسية والسلوكية والأمنية، وتورطها في آلاف حالات الاستغلال الجنسي والتنمر الرقمي والتلاعب النفسي، وصولًا إلى ربطها بحالات اكتئاب حاد وأفكار انتحارية لدى فئات عمرية صغيرة، ما دفع عددًا من الدول إلى حظرها كليًا أو تقييدها جزئيًا حفاظًا على سلامة النشء.
تعتمد Roblox على نموذج يقوم على إنشاء المستخدمين للمحتوى حيث يستطيع أي لاعب تصميم عوالم افتراضية وألعاب خاصة به والدخول في غرف دردشة نصية وصوتية مفتوحة، إضافة إلى التفاعل المباشر مع ملايين اللاعبين حول العالم، وهو ما يجعل الرقابة شبه مستحيلة رغم الإجراءات التقنية التي تعلنها الشركة وتُظهر بيانات الشركة نفسها أن أكثر من 40% من مستخدمي المنصة هم دون سن الثالثة عشرة، أي ضمن الفئة الأكثر هشاشة نفسيًا وسلوكيًا، ما يحوّل البيئة الرقمية إلى مساحة خصبة للاستغلال والانتهاكات.
تحقيقات موسعة نشرتها وكالة "رويترز" ووكالة "أسوشيتد برس" وصحيفة "الغارديان البريطانية" كشفت أن Roblox أصبحت بيئة جاذبة لمتحرشي الإنترنت، حيث تم تسجيل آلاف البلاغات المتعلقة بمحاولات استدراج أطفال وابتزازهم جنسيًا، ودفعهم إلى مشاركة صور أو مقاطع غير لائقة، مستغلين ثغرات الدردشة والتواصل المباشر داخل الألعاب، إضافة إلى انتقال المحادثات إلى منصات خارجية أكثر سرية ما يصعّب عملية التتبع والحماية.
وفي تحقيق استقصائي مطوّل أجرته وكالة "بلومبيرغ" ونقلته عدة منصات إعلامية دولية تبيّن أن Roblox أبلغت المركز الوطني الأميركي للأطفال المفقودين والمستغلين عن أكثر من 13 ألف حالة استغلال جنسي للأطفال خلال عام واحد فقط مقارنة بنحو 3 آلاف حالة في العام الذي سبقه، ما يعكس تصاعدًا مقلقًا في حجم الانتهاكات، في حين أسفرت التحقيقات عن توقيف عشرات المتورطين الذين استغلوا المنصة للوصول إلى ضحاياهم.
الخطورة لا تتوقف عند حدود الاستغلال الجنسي فحسب بل تمتد إلى الجانب النفسي والسلوكي حيث صممت Roblox بنظام يعتمد على التحفيز المستمر والمكافآت الرقمية والعملة الافتراضية "Robux”، وهي آلية تشبه تقنيات الإدمان المعروفة في ألعاب القمار، ما يدفع الأطفال إلى قضاء ساعات طويلة أمام الشاشة، ويؤدي إلى اضطرابات في النوم والتركيز والعلاقات الاجتماعية تقارير أكاديمية حديثة نشرتها دوريات علمية متخصصة في الأمن الرقمي حذرت من أن هذا النمط قد يخلق دوائر إدمانية مغلقة، تزيد من احتمالية الاكتئاب والعزلة الاجتماعية لدى المراهقين، خاصة مع التعرض المستمر لمحتوى عنيف أو جنسي أو محاكاة إيذاء النفس داخل بعض الألعاب غير الخاضعة للرقابة الفعالة.
وفي السياق ذاته وثّقت وسائل إعلام بريطانية حالات دخول أطفال إلى غرف افتراضية تحاكي الانتحار أو تناقش إيذاء النفس بأسلوب تفاعلي، ما يخلق بيئة نفسية ضاغطة قد تدفع المراهقين الذين يعانون أصلًا من هشاشة نفسية إلى التفكير الجدي في الانتحار وهو ما دفع خبراء الصحة النفسية إلى التحذير من أن التعرض المتكرر لمثل هذا المحتوى قد يؤدي إلى تطبيع فكرة الموت والانتحار، وتحويلها من مفهوم صادم إلى سلوك "مألوف” داخل العقل الجمعي الرقمي للأطفال.
أمام هذا الواقع لجأت عدة دول إلى فرض حظر كامل أو جزئي على المنصة، أبرزها العراق وتركيا وروسيا وقطر وعُمان والكويت، إضافة إلى تقييد خصائص الدردشة في الأردن والسعودية والإمارات وذلك بعد تقارير أمنية واجتماعية أكدت أن Roblox باتت تشكل تهديدًا مباشرًا للقيم الاجتماعية وسلامة الأطفال، وأن أنظمة الرقابة داخل المنصة غير كافية لمنع الانتهاكات الخطيرة.
وفي الأردن ورغم اتخاذ إجراءات لتقييد الدردشة داخل اللعبة إلا أن مطالبات متزايدة من أولياء الأمور وخبراء التربية الرقمية تتصاعد باتجاه الحظر الكامل للمنصة، بعد تسجيل شكاوى متكررة تتعلق بتغيرات سلوكية حادة لدى الأطفال وانعزالهم الاجتماعي، وتعرضهم لمحتوى غير لائق إضافة إلى حالات ابتزاز إلكتروني لم يتم الإعلان عنها رسميًا.
ويؤكد مختصون أن البنية التقنية للعبة تجعل من الصعب السيطرة الحقيقية على ما يتعرض له الطفل، حتى مع وجود رقابة أسرية جزئية، نظرًا لسهولة التحايل على القيود العمرية.
ويرى خبراء في علم النفس الرقمي أن خطورة Roblox لا تكمن في اللعبة ذاتها فقط، بل في النظام البيئي المتكامل داخل المنصة، الذي يجمع بين العزلة والتواصل غير المنضبط، والمحتوى المفتوح، والتحفيز الإدماني ما يخلق بيئة نفسية قد تدفع الأطفال والمراهقين إلى اضطرابات قلق واكتئاب، وقد تصل في الحالات القصوى إلى التفكير بالانتحار خاصة لدى من يعانون من هشاشة نفسية أو ضغوط اجتماعية سابقة.
في ظل هذه المعطيات تتعالى الدعوات إلى ضرورة اتخاذ قرار وطني واضح بحظر منصة Roblox داخل الأردن، أسوة بعدد من الدول التي رأت في استمرارها خطرًا مباشرًا على سلامة الأجيال، بالتوازي مع تعزيز برامج التوعية الرقمية للأهالي والأطفال، وتشديد الرقابة على المحتوى الإلكتروني، بما يضمن بيئة رقمية آمنة تحفظ حق الطفل في الترفيه دون أن يتحول ذلك إلى بوابة للانتهاك والاستغلال والانهيار النفسي.