الحرب تربك الأجندة الآسيوية وتضع بطولاتها أمام أخطر اختبار منذ عقود

نبض البلد -
الأنباط – ميناس بني ياسين
دخلت الرياضة الآسيوية والعربية واحدة من أكثر مراحلها حساسية وتعقيدًا منذ عقود في أعقاب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وما تبعها من تصعيد عسكري واسع النطاق أعاد رسم ملامح المشهد الأمني في المنطقة وفرض نفسه بقوة على الأجندة الرياضية القارية والدولية، وسط حالة غير مسبوقة من القلق والترقّب والحذر.
الانعكاس المباشر الأول لهذه التطورات تجسّد في القرارات الرسمية التي أصدرها كل من الاتحاد اللبناني لكرة القدم والاتحاد البحريني لكرة القدم بإعلان تعليق شامل لجميع الأنشطة والمسابقات الكروية حتى إشعار آخر في خطوة تعكس إدراكًا مبكرًا لخطورة المرحلة، وتقديرًا عاليًا لمعادلة الأمن والسلامة العامة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية؛ القراران لم يكونا مجرد إجراء إداري عابر، بل رسالة واضحة بأن كرة القدم في المنطقة دخلت فعليًا منطقة الخطر حيث لم يعد بالإمكان الفصل بين ما هو رياضي وما هو أمني.
وفي إيران بدا المشهد أكثر قتامة مع دخول النشاط الرياضي في حالة شلل شبه كامل بعد تعليق مباريات الدوري وإيقاف التدريبات وتأجيل المنافسات المحلية، في ظل حالة استنفار وطني قصوى وهذا التجميد القسري يضع مشاركة الأندية والمنتخبات الإيرانية في البطولات القارية أمام سيناريوهات مفتوحة، ويُلقي بعبء ثقيل على كاهل الاتحاد الآسيوي لكرة القدم، الذي يجد نفسه أمام معضلة تنظيمية معقّدة، تتداخل فيها الاعتبارات الرياضية مع الحسابات الأمنية والسياسية.
ورغم عدم صدور أي قرارات رسمية حتى الآن عن الاتحاد الآسيوي أو الاتحاد الدولي لكرة القدم بشأن تعليق أو نقل البطولات، إلا أن واقع الميدان يفرض مراجعة شاملة لكامل روزنامة الموسم، خاصة مع دخول عدد من الدول المستضيفة في نطاق التهديدات المباشرة أو غير المباشرة فالبطولات القارية، وفي مقدمتها دوري أبطال آسيا وكأس الاتحاد الآسيوي، باتت مهددة باختلالات تنظيمية واسعة، سواء على مستوى أمن تنقّل الفرق أو جاهزية الملاعب أو ضمان سلامة الجماهير، وهو ما قد يدفع خلال الفترة المقبلة نحو إعادة توزيع المباريات جغرافيًا، أو نقلها إلى ملاعب محايدة في شرق القارة، في حال استمر التصعيد على الوتيرة الحالية.
أما في دول الخليج التي تمثّل العمود الفقري للاستضافة الرياضية القارية والدولية في آسيا تسود حالة من الاستنفار الأمني والترقّب الحذر، دون الوصول بعد إلى قرارات رسمية بتعليق النشاط غير أن المؤشرات التنظيمية وحركة الاجتماعات المكثفة بين الجهات الرياضية والأمنية، تعكس إدراكًا عميقًا لحساسية المرحلة، واستعدادًا للتعامل مع أسوأ السيناريوهات وهذا الوضع يضع الدوريات الخليجية أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في الحفاظ على استمرارية المنافسة من جهة، وضمان أعلى مستويات السلامة من جهة أخرى، في معادلة دقيقة قد تُحسم وفق مسار التطورات العسكرية خلال الأيام المقبلة.
وعلى المستوى القاري الأوسع تبدو الرياضة الآسيوية برمتها أمام اختبار غير مسبوق إذ يتزامن هذا التصعيد مع مراحل حاسمة من تصفيات كأس العالم واقتراب الأدوار الإقصائية من البطولات القارية، فضلًا عن روزنامة مكتظة بمعسكرات المنتخبات والبطولات العمرية؛ أي اضطراب في هذا التوقيت قد يُحدث سلسلة ارتدادات تمتد آثارها إلى سنوات مقبلة، سواء من حيث التأهيل الرياضي، أو العقود التجارية، أو حقوق البث، أو حتى خارطة الاستضافة المستقبلية.
والتاريخ الرياضي يؤكد أن الحروب لا تكتفي بتعليق المباريات بل تعيد رسم الجغرافيا الرياضية بالكامل وما يحدث اليوم يحمل في طياته ملامح تحوّل استراتيجي قد يغيّر موازين الاستضافة والنفوذ الرياضي في آسيا، ويدفع باتجاه تعزيز دور شرق القارة كمركز بديل آمن مقابل تراجع نسبي لدور غربها إذا طال أمد الأزمة.
وهذا التحول إن تحقق لن يكون مؤقتًا بل سيترك بصمته على شكل البطولات، واستراتيجيات الاستثمار الرياضي، وحتى خطط تطوير البنية التحتية في المنطقة.
بمعنى أن الرياضة تقف اليوم عند تقاطع حاد بين طموحات التطوير وضغوط الجغرافيا السياسية ومع اتساع رقعة الحرب، تصبح الملاعب مرآة دقيقة لنبض الشارع الإقليمي، ويتحوّل القرار الرياضي إلى قرار سيادي بامتياز والأيام القليلة المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت المنطقة مقبلة على اضطراب رياضي مرحلي يمكن احتواؤه، أم على إعادة تشكيل جذرية لخارطة المنافسات في آسيا عنوانها الأبرز الأمن أولًا، وما بعده قابل لكل الاحتمالات.