رمضان قبل الأوان.. "غزي" يسأل ونعجز عن الاجابة

نبض البلد -
كتب  أيمن بدر
أيامٌ قـليلـة ويـبدأ شــهــر الــصيـام ، تبدأ الدول بتحري هلال الشــهـر ، وقد تسبق دولةٌ أخرى غيرها بيومٍ لِتَثَبُتِ رؤية الهلال لديها أو قد تتأخَرُ بيوم رغم بُعدِ المسـافات بينها ، لكن ان يبدأ الصيام قبل أشهٌرٍ عِدة في منطقة جغرافيةٍ لا تبعُدُ عنا سوى كيلومترات معدودة فهذا غيرُ مألوف مع أنه غدا وبِكُلِ مراراةٍ غدا مالوفاً لدينا.
تـتـزامَنُ مع بداية الـِشــهـر الـفضـيل طـقوسـاً إعتدنا عليها منها على سبيل المثال لا الحصر زينة رمضان التي تتزين بها بيوتنا بلكوناتها وشبابيكها ،مدفعُ رمضان، الأسئلة والفتاوي التي تُطرَحُ على أهل العلم وطبعاً المسلسلات وتنوع الأكلات، إجتماعُ العائلات والسهرات التي تمتد الى السحور. وكما أسلفت فقد بدأ الصيامُ هناك في غزَةّ منذ عدة شهور ووردتني الأسئلة والإستفسارات من غَزِيٍ تَفَرَق في أنحائِ القطاع فبعضه في شمال غزة وبعضُهُ في وسطِها وجُزءٌ منه في جنوبها .أسئلته أضَعُها بين يديّ أهلِ الذِكرِ والغافلين عن الذِكرِ كذلك بعد أن عجَزتُ عن الأجابه علنا نُسْعِفُهُ بِبَعضِ الإجابات من مقامكم العالي. وأسئلةُ وإستفساراتُ هذا ألغَزّي تباعاً كالتالي:

* نحن في صيامٍ منذ شهورٍ عدة ، فهل يجوز الوصل والتتابع في الصوم حتى مع دخول شهر رمضان أم أنّ ذلك مكروه؟

* أخي أًصيبَ بالقصفِ وبُتِرتْ أطرافُهُ وخَرَجت أمعائُهُ ولا زال ينزِفُ دَمَاً حتى الآن لعدم وجود مستشفىً يُعالجُ به ، فهل إستمرار نزف الدم يُبْطِلُ صيامه ؟

* أبنتي تحت الردم منذ ثلاثةِ أيام دون طعامٍ أو شراب ، والآن إستطعنا الوصول اليها فهل عليها وعلينا إثمٌ أذا أسقيناها شربة ماء ؟

* لم يبقَ لنا غيرَ علف الدواب لنصنع منه بضع كسراتٍ من الخُبز ، فهل يقع علينا إثمٌ أننا انتقصنا الدواب والأغنام حقها وأكلنا أكلها ؟

* أبي لم يَذُق أكلاً منذ أيامٍ عدة ، وصدفةً وجدت قِطةً فذبحتها وأطعمته من لحمها ، فهل نحنُ آثمون في ذلك ؟

* أمي عَطشى منذ يومين وليس هناك ماءٌ لأُسقيها ، فوجدت بعضاً من ماء المجاري طافحاً داخل خيمتنا فأسقيتها منه ، فهل أنا عاقٌ أو آثِمٌ في ذلك؟
 
* أما بالنسبة لمدفع رمضان فقد إختلط علينا الأمر هُنا في غَزّة ، فعندكم المدفع يُطلَقُ وقت أذان المغرب لكن هنا تُطْلَقُ في كل حين ، فجراً ، صباحاً، ضُحىً ، ظُهراً ، عصراً ، مسائاً، ليلاً فعلى أي ضرباتِ المدافِعِ نُفْطِر؟

* جيراننا تم قصفهم وقت الإفطار وهم أما خيمتهم مُتحلقينَ حول مائدةٍ مكونةٍ من نصف رغيفٍ معجونٍ من علف الدوابِ وفخذِ قِطٍ وقد قَضَوا جميعاً في القصف ، وليس لدينا ما نُفْطِرُ عليه ، فهل يحِلُ لنا أخذُ مائدتهم على مبدأ ( الحي مع وقف التنفيذ ومؤقتاً أبدى من الميت حتماً ) ام أنّ ذلك حرام؟

* لم نستطع تزيين خيامنا لقدوم رمضان، فهل لهيب قذائف الطائرات وإشعاعات قنابل الفسفور والشَرّر الذي يرافق قذائف المدافع والنار التي تنتُجُ عن كُلِ ذلكَ في سماء غزَةّ وعلى أرضها تفي بالغرض أم قد يطالنا إثْمٌ لعدم تهيأة خيام نزوحنا للشهر الفضيل؟

* جدي كان يتلوى جوعاً منذ أيام ، وكاد يهلِكُ جوعاً ، وفي منتصف النهار تَعَثَر على الشاطئ بشبه سمكة ميته قد مزقتها قذائف الإحتلال البحرية ، فأكل ما تبقى منها لكنها لم تُقِم أوده وسَمَمَت جَسَدَه ومات قبل الغروب ، فهل عليه إثم؟

* جدتي نوت صيام شهر رمضان كاملاً ، وما ان انهت كلامها بنية الصوم حتى مزقتها قذيفةٌ نثرت أشلائها فهل لها أجر الصيام ؟

* باغتتنا وصديقي قذيفة من طائرة مسيرة فنجوت أنا من الموت الى حين، لكن صديقي فُصِلّ نِصْفُ جسَدِه الأسفل عن النصف الأعلى بفعل القذيفة ، وقبل دفن جزئيه أخذت كنزته التي كان يرتديها حيث بقيت سليمة وكنت أشعر ببردٍ شديد، أضافةً انني أريد أن بيقى أثَرٌ من صديقي أكتسي به حميم مودته لحين اللحاق به . فهل عليّ إثم؟

* جمعنا بعض الحشائش والأعشاب لا ندري ما هي، وأردنا طبخها لِنُفطِر عليها فلم نجد لإيقاد النار وتدفئة الصغار الا بعضاً من خشب أثاث بيت جيراننا المُهَدَم فأوقدنا منه النار ، فهل يلحقنا إثمٌ بهذا العمل؟ علماً أن جميع أفراد جيراننا قتلوا عن آخرهم ولم يبق منهم أحد؟

* دَفَنتُ مُنذُ أسبوعٍ جزئاً من جُثةِ أختي ، ثم عثرتُ اليوم على جزئها الآخر، وعندما هممت بدفنه الى جانب الجزء الأول فإذا بالإحتلال قد جرف مكان القبر ولم يبق له أثر فدفنت الجزء الثاني في مكانٍ آخر إلا انّ الإحتلال جرفَه أيضاً ، والسؤال هنا ، أيُ الجزئين وأيُ المكانين أزور اذا رغبت في زيارةِ قبرها والدعاء لها ؟
 
* وأخيراً ، بسبب كثافة القصف ، والبرد الذي ينخُرُ عظامي ، والجوع الذي يفتِكُ بي والعطشِ الذي جفف عروقي نسيتُ أن أدعو في صلاتي للإنسانية ومنظمات حقوق الإنسان وألأمم المتحدة ومجلس الأمن وأصدقائنا في الإنسانية وأنا خائِفٌ جِداً ان يلحقني إثمٌ كبيرٌ بسبب ذلك رغم انني لم أكن متعمداً فقد نسيتُ ليس إلا ، فكيف أُكَفِرُ عن كبيرتي هذه؟ وهل بتكثيف الدُعاءِ لهُم في صلواتي القادمة إن بقيتُ حياً يُكَفِرُ عن ذنبي الكبير هذا ؟ أفيدوني يا رعاكم الله!

خِتاماً أمنياتنا لكم برمضان ليس كرمضاننا ، ولا ليلٌ كما ليلنا ولا نهارٌ كنهارنا ولا عيشٌ كَعَيشنا . أتعلمون لماذا ؟ لأننا نُحِبُكُم ولا نرضى أن يَمَسَكُم ما مَسَنا. لَكُم ندعوا بصياماً مقبولاً وإفطاراً هنياً ....ولنا نرجوا صياماً عادياً يبدأ فجراً وينتهي مسائاً وأن يبقى لنا من الأهل من نقول له ......رمضان مُبارك .