نبض البلد -
بقلم: أسيد الحوتري
طالما احتفى التاريخ الرسمي بالمنتصرين وبالسرديات الكبرى التي تُكتب من أعلى الهرم، متجاوزا تفاصيل اليومي والمهمش والمنسي. لكن النقد الأدبي والتاريخي الحديث، لا سيما مع بروز اتجاه "التاريخانية الجديدة" تجاوز قراءة الوثائق الرسمية والمؤسسية ليلتفت إلى التاريخ الذي يصنعه المهمشون، وتكتبه الأقليات، وتخطه حكايات البسطاء في الظل؛ فهنا تكمن أيضا حقيقة إنسانية عميقة لم تخلدها الأرشيفات الرسمية.
هذا بالضبط ما فعله الكاتب والناقد سليم النجار في سفر شهادته؛ فمن خلال سلسلة من اللقاءات والحوارات المعمقة مع فلسطينيين عاشوا التجربة وتجرعوا تفاصيلها في الكويت، أصدر النجار الجزء الأول من سلسلته التي توثق تلك التجربة الفريدة تحت عنوان "الفلسطينيون في الكويت: الوجه الآخر" والذي قدم فيه صورا من سيرته الذاتية وأحداثا شهد وقوعها في الكويت. وباعتباره شاهدا حيا على العصر وعلى تلك التجربة التي لم يوثقها أحد بالقدر الكافي، قدم النجار مجموعة من المعلومات البكر والنادرة التي لم يطلع عليها الكثيرون حتى من جيل الكويتيين أو الفلسطينيين الذين عاشوا في الكويت. ومن هنا تنبع أهمية تسليط الضوء على هذه المعلومات القيمة ومشاركتها مع القارئ، عله يقتني هذا الكتاب الفريد للاطلاع على ما يزخر به من سرديات غير مسبوقة.
شكلت الكويت في منتصف القرن الماضي حاضنة اجتماعية واقتصادية وملاذا لبناء الذات المشتتة للشعب الفلسطيني عقب النكبة والنكسة. ولم تكن التجمعات الفلسطينية الناشئة هناك في مناطق الفحاحيل وحولي والنقرة (وكان يطلق عليهما "الضفة الغربية") والمرقاب مجرد مناطق سكنية، بل تحولت إلى مجتمعات مصغرة شهدت كفاحا مضنيا، وازدواجية ونشأة معقدة للجيل الجديد بين الالتزام العاطفي بهوية الوطن المحتل والعيش اليومي في تفاصيل الغربة والبحث عن لقمة العيش.
كواليس المدارس المسائية
من أبرز ما كشفت عنه شهادة النجار، تلك التفاصيل غير المعروفة عن المدارس المسائية التي استوعبت الطلبة الفلسطينيين ممن ضاقت بهم المدارس الحكومية. كانت هذه المدارس تُعرف شفهيا بين الناس باسم "مدارس منظمة التحرير الفلسطينية"، دون أن يُكتب هذا الاسم رسميا على جدرانها.
والأشد إيلاما هو البُعد الاجتماعي للكادر التعليمي؛ فقد كان المعلم يتقاضى راتبا ضئيلا لا يتجاوز (45) دينارا كويتيا، ولأن أغلبهم لا يحمل سوى شهادة الثانوية العامة، اضطروا لممارسة مهن متواضعة مسائية؛ فكان معلم اللغة العربية والدين يعمل صباحا بائع أقمشة متجولا بين الحارات، وكان معلم اللغة الإنجليزية يعمل سائق "تنكر" (صهريج نقل مياه).
أسرار سياسية وقوانين في الظل
يمتد النقد والتوثيق عند النجار ليكشف عن خلفيات قرار إغلاق المدارس المسائية ونقل الطلبة إلى المدارس الحكومية الصباحية. وتبرز في روايته قراءتان غير منتشرتين: الأولى تشير إلى نصيحة سريّة نقلها وزير الخارجية الأمريكي الأسبق (هنري كيسنجر) بتصفية هذه المدارس بعد شائعات عن تحولها لمعسكرات تدريبية يُرسل طلابها صيفاً إلى معسكر (عدرا) في سوريا. أما الرواية الثانية والأضعف بكل تأكيد فتُرجع التحويل لمطالبة قام بها طالب فلسطيني متفوق حاز المرتبة (12) في الثانوية العامة وجدت صدى إيجابيا لدى المسؤولين.
كما يتطرق الكاتب إلى كواليس التنظيمات السياسية الداخليّة؛ مفجّرا معلومة غير معروفة عن غضب سليم الزعنون (أبو الأديب)، معتمد حركة فتح في الكويت والخليج، حين علم باستقطاب طلاب كويتيين (من بينهم أبناء عائلات مرموقة) للعمل التنظيمي، وذلك لمخالفته اتفاقا سريا ومبرما بين المنظمة والسلطات الكويتية يمنع الاستقطاب السياسي للكويتيين.
الترحيل الناعم
في أواخر الثمانينيات، استشعر المسؤولون في الكويت تنامي الرقم الكبير لعدد المقيمين عموما والجالية الفلسطينية على وجه الخصوص، فجرى تفعيل وتطبيق قانون "التحاق بعائل" بضوابط صارمة؛ إذ ألزم الذكور ممن بلغوا سن الثامنة عشرة إما بإيجاد عقد عمل وإقامة مستقلة أو مغادرة البلاد، فضلاً عن إسقاط الإقامة لمن يتخلف خارج البلاد لأكثر من ستة أشهر. وهو ما تسبب في شتات وتغريبة جديدة أُنجزت عبر عملية تهجير ناعمة ومبكرة للشباب الفلسطيني، الذي اضطر لترك أسرته في الكويت والتشتت في بلاد الله الواسعة.
من قاع المرقاب إلى عاشق الفحاحيل
لا تخلو السيرة من نبش في ذاكرة دخول الكويت عن طريق المهربين؛ إذ يصف رحلة الآباء في خمسينيات القرن الماضي عبر صحاري البصرة وصولا إلى "ساحة الحرية": ساحة الصفاة، بالمرقاب بأقدام حافية وأحذية ممزقة، حيث العيش في أحواش مشتركة، والاعتماد على المياه "الصليبية" المائلة للملوحة، وانتظار "السقا اليمني" الذي يخط علامات الطباشير على الجدران لعد غالونات المياه العذبة.
وفي واحدة من أكثر القصص التراجيدية والوجدانية غير المعروفة للعامة، يروي النجار حادثة الشاب الكويتي الذي أحب فتاة فلسطينية ورُفض زواجهما من أهالي الطرفين للقيود الاجتماعية، فألف الشاب أغنية حزينة صدح بها بين زملائه الطلبة وكانت تقول:"هَلي هَلي هم سبب علّتي"، ليقرر بعدها إنهاء حياته غرقا في الخليج العربي الذي لم يستطع أن يجمع بين عربيين، وليعود جثة هامدة ملقاة على شاطئ البحر في الفحاحيل. هذه الفاجعة لم تكن مجرد حادثة عابرة، بل لعلها كانت من أهم الأحداث التي توحد فيها الكويتيون والفلسطينيون وخرجوا جميعا في جنازة تاريخية مهيبة شهدت على رقة الحب وقسوة العرف وهشاشة الإنسان.
الذاكرة التي لا تموت
لقد نجح سليم النجار في كتابة سيرة لا تُقرأ بالعين وحدها، بل تتلقاها نبضات القلب وخلجاته، حوّل فيها الذاكرة الشفهية المبعثرة إلى وثيقة تاريخية وإنسانية جليلة. إنها شهادة الطفل الذي دندن يوما في طابور الصباح المدرسي "قاعدون.. قاعدون" بدلا من "عائدون"، فناله من الضرب المبرح ما ناله، دون أن يدري أن الأيام ستجعل كلماته تلك حقيقة مأساوية لا مفر منها.
إن كتاب "الفلسطينيون في الكويت: الوجه الآخر" ليس مجرد سرد ذكريات شخصية، بل هو دعوة مفتوحة لكل قارئ وباحث لامتلاك هذا العمل واكتشاف تفاصيله المدهشة. وتبقى هذه القراءة شهادة وفاء لأزقة الفحاحيل، ولحارة "سوق الصباح"، ولرغيف الخبز المدهون برُب البندورة والزيت في أيام الفقر، ولصرخة أم فُجعت بطفلها الذي هوى من البلكونة. يظل البحر هناك في الفحاحيل شاهدا أبديا؛ يهمس للراحلين بأن الجغرافيا قد تقسو وتتبدل، وتتغير القوانين والوثائق، لكن الذاكرة الفلسطينية المضرجة بالدمع والحنين عصية على المحو والزوال.