حكومات المئوية الثانية المحظوظة

نبض البلد -
د. محمد العزة

سابقا، كان الشعب الأردني يُحسد على حكوماته في المئوية الأولى، أما اليوم، فتحسد حكومات المئوية الثانية على الشعب الذي تتولى خدمة إدارة شؤونه و تلبية احتياجاته بالقدر المحدود المتناسب و قدراتها الممكنة ، لما يتمتع به المواطن من صفات اكتسبها من تبنيه استراتيجية الصبر والنفس الطويل.
وخلال الاطلاع على كثير من الردود والتعليقات تجاه التصريحات الحكومية حول أرقام التنمية الاقتصادية، وتحسن المناخ الاستثماري، وانتعاش الحركة التجارية، يكتشف المتابع مدى وعي هذا الشارع وصبره، النابعين من حبه للأردن الدولة والوطن وحرصه عليهما. فالدافع وراء هذا الخيار ليس مجاملة أشخاص السلطة والنفوذ أو محاباتهم ، و إنما الحرص على استقرار الوطن ومستقبله، رغم ما يواجهه المواطن من تحديات معيشية واقتصادية و تداعيات حالة سياسية معقدة تمر بها المنطقة ، تستدعي مستوى أداء حكومي افضل .
إن مؤشرات الأداء الاقتصادي لبورصة عمان، والأرقام الصادرة عنها في نشراتها اليومية، التي تعبر عن القيمة السوقية للاستثمارات المتداولة في سوق الأوراق المالية، لا تكفي وحدها لتحقيق أهداف رؤية التحديث الاقتصادي ، إذ إن المطلوب يتجاوز المؤشرات والأرقام إلى استثمارات اقتصادية ذات أصول وهياكل إنتاجية حقيقية على أرض الواقع، قادرة على إحداث أثر ملموس في حياة المواطنين.
ويأتي في مقدمة هذه الاستثمارات ، قطاع الصناعة بمختلف مجالاته، باعتباره المحرك الرئيسي للاقتصاد و أحد المصادر الأساسية لتوفير فرص العمل وتشغيل الأيدي العاملة، إلى جانب قطاع البناء والمقاولات، الذي يمكن للحكومة تنشيطه من خلال اتخاذ خطوات عملية، عبر إطلاق مبادرة حكومية لتخصيص قطع اراضي وتوزيعها على المواطنين لغايات التملك والبناء، وفق ضوابط ومعايير واضحة، والتوجه نحو التوسع الأفقي في الإسكان العمراني ضمن مراحل متدرجة ومدروسة.
إن مثل هذه المبادرات من شأنها تحريك عجلة الاقتصاد، وتنشيط القطاعات التجارية والخدمية المرتبطة بالبناء والإسكان، بما يشمل مواد البناء، والمقاولات، والنقل، والصناعات الإنشائية، وغيرها من الأنشطة التي تتشابك مصالحها مع هذا القطاع، فضلا عن توفير فرص عمل جديدة، وتخفيف الأعباء السكنية عن المواطنين.
وهناك تجارب عديدة وناجحة يمكن الاستفادة منها، وفي مقدمتها التجارب التي قامت بها مؤسسة التطوير الحضري. كما أن توفر مساحات يمكن توجيه بوصلة التمدد العمراني و العقاري نحوها، خاصة في اتجاهي الجنوب والشرق، مما يفتح المجال أمام آفاق خيارات تنموية جديدة، تخفف الضغط عن الرقعة الخضراء التي تعاني من التراجع والتقلص، وتحمي ما تبقى منها من مخاطر مرتبطة بالتغيرات المناخية والتحديات البيئية.
ولا تقتصر أهمية هذه المشاريع على توفير السكن وتحريك القطاعات الاقتصادية المرتبطة به، بل تمتد إلى تحقيق عوائد مالية لخزينة الدولة، وتعزيز النشاط الإنتاجي، بما يسهم في تحسين الميزان الاقتصادي للموازنة العامة، بحيث تميل كفة العائد الإنتاجي والاستثماري إلى تعزيز موارد الدولة، بدلا من استمرار تغليب كفة الإنفاق دون مردود تنموي مستدام.
فالتنمية الاقتصادية الحقيقية لا تقاس فقط بارتفاع المؤشرات والأرقام، ولا بما تعلنه البيانات الرسمية من تحسن في المناخ الاستثماري وانتعاش الحركة التجارية، وإنما بمدى انعكاس ذلك على حياة المواطن، وقدرته على تأمين احتياجاته الأساسية، والحصول على فرصة عمل، وامتلاك مسكن، والعيش بكرامة.

وهنا تحضرنا مقولة علي إبراهيم الموسوي:
"الفقراء ينالون شرف الدفاع عن الوطن والاستشهاد من أجله، أما الأغنياء فينالون شرف الحياة الكريمة فيه"

أما جيفارا، فيقول:
«سيشغلونك ببائع الخبز، وبائع اللحم، وبائع الدقيق، وبائع الزيت ، حتى تنسى بائع الوطن".
وبين صبر المواطن الأردني، وما يواجهه من تحديات معيشية، وما تعلنه الحكومات من مؤشرات اقتصادية إيجابية، تبقى الاسئلة الرئيسية المطروحة عن كيفية تحويل الأرقام إلى إنجازات ملموسة، وتحويل الخطط إلى فرص عمل ومشاريع إنتاجية ومساكن ميسرة، يشعر المواطن بأثرها في حياته اليومية.
فالأردني الذي أثبت وعيه وحرصه على وطنه، لا ينتظر من حكومات المئوية الثانية أن تطلب منه المزيد من الصبر فحسب، بل ينتظر أن يرى نتائج هذا الصبر في سياسات اقتصادية عادلة، وتنمية حقيقية، وفرص متكافئة، وحياة كريمة تليق بالمواطن الذي يحمل الوطن ويتمسك به ، وهو  على أهبة الاستعداد للتضحية في سبيل الدفاع عن امنه و سيادته ، و الإسهام في بناء نهضته و تنميته  .