نبض البلد -
الصرايرة: الخطر يكمن بتطوير أنظمة ذكاء اصطناعي تفوق القدرات البشرية
دية: استثمار يسهم برفع الانتاجية وتسريع وتيرة النمو الاقتصادي
آية شرف الدين
في زمن تتسارع فيه تطور عالم التكنولوجيا والمعلومات لنصل إلى تطور الذكاء الاصطناعي والروبوتات، حيث كانت استخداماتهم محصورة في العلم و والحصول على معلومات علمية واجتماعية تساعد فيه الإنسان في الحصول على معلومات يبحث عنها وتطوره فكريا وعلميا.
إلا أن بدأ تطور الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة كبيرة ليدخل في الوظائف البشرية، ما يجعله يهدد وظيفة الإنسان، حيث نرى اليوم الذكاء الاصطناعي والروبوتات تدخل في الطب والعمليات البشرية و في مجال الإعلام وصياغة الأخبار و تقديم النشرات والعديد من مجالات الحياة، حيث يتراود اليوم سؤال في عقول العديد من الناس هل أصبحنا نتخلى عن عمل الإنسان ونعتمد على الذكاء الاصطناعي؟ هل أصبح الذكاء الاصطناعي يهدد الوظائف البشرية؟.
هل يحل مكان جميع الوظائف البشرية
وفي السياق قال المهندس البرمجيات والخبير بتطوير التكنولوجيا الرقمية أحمد الصرايرة من الناحية العلمية أن الذكاء الاصطناعي لن يحل مكان جميع الوظائف البشرية بالكامل، موضحا أنه يستبدل مهاماً محددة داخل الوظائف، مما يؤدي إلى إعادة هندسة سوق العمل بشكل جذري.
وأشار أن دراسات منظمة العمل الدولية (ILO) و شركات الاستشارات العالمية تشير إلى أن الوظائف التي تعتمد على التكرار ومعالجة البيانات النمطية هي الأكثر عرضة للأتمتة الكاملة، بينما الوظائف التي تتطلب ذكاءً عاطفياً، تعاطفاً إنسانياً، تفكيراً إبداعياً معقداً، ومهارات يدوية دقيقة في بيئات غير متوقعة، ستظل حكراً على البشر لفترة طويلة مع استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة(Co-pilot).
الخطر على الوظائف البشرية
وأوضح الصرايرة أن الخطر الاقتصادي المتعلق بالوظائف هو مجرد جانب واحد من المخاوف فهناك مخاطر وجودية وأمنية واجتماعية أشد خطورة بكثير، وتشمل
الأمن السيبراني والمعلومات المضللة وهي التي تقوم على استخدام الذكاء الاصطناعي لتوليد محتوى مزيف (Deepfakes) ونشر الدعاية السياسية الفاسدة واختراق الأنظمة الحرجة، مضيفا إلى فقدان السيطرة (Alignment Problem) كما أشار العالم يوشوا بينجيو والباحث بولي كريستيانو، بينما الخطر الأكبر يكمن في تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي فائق (Superintelligence) تفوق القدرات البشرية ولا تتوافق أهدافها مع القيم البشرية، وايضا التحيز والأخلاقيات حيث أن اتخاذ قرارات مصيرية (في القضاء أو الطب أو التوظيف) بناءً على خوارزميات قد تحمل تحيزات مدمجة.
هيئة لمنع استبدال الوظائف البشرية بالذكاء الاصطناعي
ومن هذا المنطلق بين الصرايرة أن في الواقع التنظيمي توجد مطالبات مستمرة عالية النبرة من نقابات العمال، والباحثين، وبعض السياسيين لفرض قيود وقوانين تحمي العمالة البشرية، مثل فرض "ضريبة الروبوت" أو اشتراط بقاء إشراف بشري إلزامي.
ولفت إلى التنافسية الاقتصادية والدولية في الدول والشركات تخشى أن توقف تطوير واستخدام الذكاء الاصطناعي، ما سيضعف اقتصادها أمام الدول المنافسة التي قد تتبناه بسرعة أكبر، موضحا أن هذا ما يمنعهم من الإيقاف الكلي لاستبدال الإنسان بالذكاء الاصطناعي في الوظائف البشرية.
وأضاف أن طبيعة التقدم التقني في التاريخ يثبت أن محاولات حظر التكنولوجيا الجديدة بالكامل تفشل غالباً، مبينا أن القوة الاقتصادية والربحية تدفع باتجاه تبنيها، والتوجه العالمي يميل حالياً نحو "التنظيم والتشريع" (Regulation) وليس الحظر التام.
تخوف من وصول الذكاء الاصطناعي في تطور أسرع من قدرة العالم على السيطرة عليه
وفي السياق قال الصرايرة أن هذا هو الهاجس الأكبر لعلماء المستقبل (مثل ما حذر منه إيلون ماسك مراراً وتكراراً بأن الذكاء الاصطناعي أخطر من الأسلحة النووية). إذا تمكن الذكاء الاصطناعي من تحسين نفسه بنفسه (Recursive Self-Improvement) كما ذكرتِ في تصريح رئيس إنتروبيك، ستدخل البشرية في حلقة صعود تصبح فيها سرعة التطور خارج نطاق أي إدراك أو رد فعل بشري.
وأوضح أن النتيجة المحتملة ستكون فقدان تام للتحكم في البنية التحتية العالمية، واقتصاديات، وشبكات الطاقة والاتصالات، مما يهدد استقرار الحضارة البشرية إن لم تكن هناك صمامات أمان مدمجة مسبقاً.
وأشار الصرايرة في حديثه في حال سنستطيع السيطرة على الذكاء الاصطناعي بعد كل هذا التطور حيث أن نطاق السيطرة يعتمد ذلك بشكل أساسي على أبحاث محاذاة الذكاء الاصطناعي (AI Alignment).
مبينا أنه يرى بعض الخبراء أن قدرتنا على السيطرة ستتراجع نسبياً كلما اقتربنا من مرحلة الذكاء الاصطناعي العام (AGI)، ما لم تفرض الحكومات وهيئات الرقابة الدولية معايير صارمة للغاية (مثل إيقاف التدريب للنماذج الكبرى التي تتجاوز عتبات حوسبة معينة حتى يتم اختبار الأمان)، مضيفا أن السيطرة لن تكون مطلقة بالمفهوم التقليدي، بل ستكون عبر تصميم "حدود رياضية وأخلاقية" لا يمكن للنظام تجاوزها.
حلول للتخفيف من استخدام الذكاء الاصطناعي
أشار الصرايرة لبعض الحلول للتخفيف من استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل جزئي وليس كليا للحد من المخاطر وتسريع التكيف دون خنق الابتكار، حيث اقترح العلماء والاقتصاديين حزمة من الحلول العملية أبرزها التنظيم الحكومي والتشريعات الصارمة، مثل قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي (EU AI Act) الذي يضع قواعد مشددة بناءً على مستوى الخطورة، وتجريم تطوير نماذج غير خاضعة لاختبارات الأمان.
وأضاف إبطاء سرعة التطوير الطوعي (مؤقتًا) حيث يتم الاستجابة لدعوات بعض قادة قطاع التقنية بوقفات مؤقتة لتطوير النسخ الفائقة حتى تبتكر المؤسسات أدوات سيطرة واضحة، والتعليم المستمر وإعادة التأهيل المهني (Reskilling)وهي دعم الحكومات لبرامج تنقل العمالة المتضررة إلى وظائف جديدة تركز على المهارات البشرية البحتة والإشراف التقني، وايضا مفتاح الإيقاف الطارئ (Kill Switch)وهي التي تعمل على إلزام الشركات الكبرى بوضع بروتوكولات أمان تقنية تتيح فصل أو تقييد الأنظمة الفائقة في حال سلوكها غير المتوقع.
الأنظمة القانونية الحالية في الدول العربية غير قادرة تماما على مواكبة التشريعات السريعة المطلوبة للسيطرة على تقنيات الذكاء الاصطناعي الحديثة
قال الصرايرة تحليلاً وقفا للمعطيات الحالية أن الأنظمة القانونية الحالية في دولنا العربية غير قادرة تماماً وبشكلها الحالي على مواكبة السرعة الهائلة لتطورات الذكاء الاصطناعي، موضحا بسبب السرعة مقابل البيروقراطية حيث أن التشريعات القوانين التقليدية تحتاج إلى دورات طويلة لإقرارها (دراسة، إقرار، تصديق)، بينما يتطور الذكاء الاصطناعي ويقفز قفزات نوعية بشكل أسبوعي وشهري. لحين صدور قانون معين، تكون التكنولوجيا قد تجاوزته بمراحل.
ومن الأسباب الاخرى نقص الكوادر المتخصصة التي تقوم على صياغة قوانين ذكية تحمي حقوق الأفراد ولا تقمع الابتكار تتطلب خبراء قانونيين يمتلكون فهماً عميقاً لعلوم البيانات، والتعلم العميق (Deep Learning)، وهندسة الخوارزميات، وهو تداخل نادر حالياً في الهيئات التشريعية التقليدية، مضيفا الاعتماد على التقنية المستوردة لذا أن معظم تقنيات الذكاء الاصطناعي الكبرى تأتينا من شركات عابرة للقارات (مثل أمريكا والصين)، مما يجعل السيطرة أو الرقابة المباشرة عليها من قِبل الحكومات المحلية أمراً بالغ الصعوبة ويحتاج إلى تحالفات دولية وضوابط عابرة للحدود.
لافتا في ختام حديثه أن هناك خطوات إيجابية بدأت تظهر في المنطقة (مثل إنشاء مراكز وطنية للذكاء الاصطناعي وإصدار استراتيجيات وطنية في بعض الدول العربية)، لكنها بحاجة إلى تشريعات مرنة وسريعة الاستجابة (Agile Legislation) مثل إحداث هيئات تنظيمية مؤقتة تمتلك صلاحيات تشريعية سريعة تشبه لجان الطوارئ، لتستطيع مجاراة هذا التسارع المخيف قبل فوات الأوان.
تأثير سرعة التطور على سوق العمل
ومن جانبه أكد الخبير الاقتصادي منير دية أن التطور المتسارع في مجالات الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المعلومات والاقتصاد الرقمي يفرض على الأردن مواكبة التحولات العالمية، مشيراً إلى أن المملكة خطت خطوات متقدمة في هذا المجال، في ظل الاهتمام الحكومي بتطوير قطاعات الاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا والخدمات الإلكترونية والرقمية.
وأضاف دية إن مواصلة الاستثمار في هذه القطاعات من شأنها أن تعزز قدرة الاقتصاد الأردني على مواكبة التطورات العالمية وتحسين موقع المملكة على المؤشرات الدولية، لافتاً إلى أن توظيف الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المعلومات في مختلف القطاعات الاقتصادية، بما فيها الصناعة والزراعة والخدمات والتجارة والاتصالات، يمكن أن يسهم في رفع الإنتاجية وتسريع وتيرة النمو الاقتصادي.
تطوير يعزز مواكبة الاقتصادات المتقدمة
وأضاف أن التحول الرقمي وتطوير الخدمات المالية والتكنولوجية قد يسهمان أيضاً في تعزيز جاذبية الأردن للاستثمارات الأجنبية، مؤكداً أهمية وجود تعاون وتوافق بين الحكومة والقطاع الخاص لتطوير منظومة الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي.
وأشار إلى أن إدخال تقنيات الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المعلومات في القطاعات الإنتاجية والخدمية من شأنه دعم تطوير الأعمال وخلق فرص جديدة، وتسريع عملية التطور الاقتصادي، وتعزيز قدرة الأردن على مواكبة الاقتصادات المتقدمة.