مجلس النواب بين الرضى الشعبي وتحديات الأداء

نبض البلد -

عماد عبدالقادر عمرو

ليس من مصلحة الدولة أن تتراجع الثقة بمجلس النواب، كما أنه ليس من مصلحة المجلس أن يكتفي بالدفاع عن أدائه دون إجراء مراجعة جادة لتجربته. فالمؤسسات الدستورية تستمد قوتها من ثقة المواطنين، وهذه الثقة لا تُفرض بالقانون، بل تُبنى بالممارسة، وتتجدد بالإنجاز، وتتراجع عندما يشعر المواطن بأن الفجوة بين تطلعاته والواقع تتسع.

لقد جاءت الانتخابات النيابية الأخيرة في ظل مشروع وطني كبير للتحديث السياسي، حمل رؤية واضحة تهدف إلى تطوير الحياة البرلمانية وتعزيز دور الأحزاب والانتقال التدريجي إلى حكومات برلمانية برامجية. وكان الرهان أن يشكل مجلس النواب محطة مفصلية في هذا المسار، وأن يقدم نموذجاً مختلفاً في الأداء السياسي والتشريعي والرقابي.

غير أن الشارع الأردني ما يزال يطرح أسئلة مشروعة حول مدى نجاح المجلس في ترجمة هذه الطموحات إلى واقع ملموس.

فالمواطن لا يبحث عن نائب يجيد الخطابة، بل عن نائب يمتلك المعرفة، ويقرأ الملفات بعمق، ويحاسب الحكومة بلغة الأرقام والحقائق، ويقدم تشريعات تعالج التحديات الاقتصادية والاجتماعية، وتوفر بيئة أفضل للاستثمار، وتدافع عن الطبقة الوسطى، وتحمي الفئات الأكثر احتياجاً.

ولعل أكثر ما أضعف الصورة العامة للمجلس هو أن بعض الممارسات الفردية طغت على الأداء المؤسسي. فهناك مداخلات افتقرت إلى العمق، ونقاشات انشغلت بالهوامش أكثر من انشغالها بالملفات الوطنية الكبرى، ومواجهات مع بعض الوزراء تركت لدى شريحة من المواطنين انطباعاً بأنها خرجت عن إطار الرقابة الدستورية إلى سجالات شخصية لا تضيف شيئاً إلى المصلحة العامة.

والأخطر من ذلك أن هذه المشاهد أصبحت، في كثير من الأحيان، هي الصورة التي تصل إلى المواطن، بينما تتراجع إلى الخلف جهود نواب يعملون بهدوء ومسؤولية ويؤدون دورهم التشريعي والرقابي بكفاءة. وهنا تكمن المشكلة؛ إذ إن الرأي العام يحكم على المؤسسة من خلال الصورة الأكثر حضوراً، لا من خلال الاستثناءات.

أما الكتل الحزبية، التي كان يعول عليها كثيراً لتقديم تجربة برلمانية مختلفة، فما زالت أمام اختبار حقيقي. فقد كان المنتظر أن تقدم خطاباً سياسياً ناضجاً، وأن تناقش السياسات العامة من منظور برامجي، وأن تكون قادرة على إنتاج مواقف موحدة تستند إلى رؤى واضحة، إلا أن أداءها حتى الآن لم ينجح في إقناع قطاع واسع من المواطنين بأن الحياة الحزبية دخلت فعلاً مرحلة جديدة. وهذا لا يعني فشل التجربة، لكنه يعني أنها ما زالت بحاجة إلى الوقت، وإلى مراجعة، وإلى تطوير أدواتها.

وفي المقابل، بدت الحكومة في عدد من الملفات أكثر حضوراً، سواء في إدارة القضايا اليومية أو في التواصل مع الرأي العام أو في تنفيذ البرامج. ولا يعني ذلك أن أداءها مكتمل أو أنها بمنأى عن النقد، لكنه يعكس حقيقة سياسية مفادها أن السلطة التنفيذية استطاعت، في بعض الملفات، أن تفرض إيقاعها، بينما لم يتمكن مجلس النواب من بناء حضور موازٍ ينسجم مع مكانته الدستورية.

إن المرحلة الحالية لا تحتاج إلى صراع بين السلطات، بل إلى تكامل بينها. فالمجلس القوي لا يضعف الحكومة، كما أن الحكومة القوية لا تنتقص من مكانة المجلس. على العكس، فإن نجاح كل سلطة في أداء دورها يعزز قوة الدولة وثقة المواطنين بمؤسساتها.

واليوم، يقف مجلس النواب أمام فرصة لإعادة صياغة علاقته مع الشارع. وهذه الفرصة لا تبدأ بحملات إعلامية، ولا بخطابات دفاعية، وإنما تبدأ من تحت القبة؛ من جودة التشريع، وفاعلية الرقابة، والانضباط في الخطاب، واحترام عقل المواطن، والابتعاد عن الشعبوية، والعمل بروح الفريق داخل الكتل البرلمانية.

إن مشروع التحديث السياسي الذي يقوده جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين ليس مشروعاً انتخابياً عابراً، بل مشروع دولة يرسم ملامح المستقبل. ونجاح هذا المشروع لا يتوقف على الحكومة وحدها، ولا على الأحزاب وحدها، وإنما يعتمد أيضاً على قدرة مجلس النواب على أن يكون شريكاً حقيقياً في الإصلاح، وأن يقدم نموذجاً برلمانياً يعكس طموحات الأردنيين.

ويبقى السؤال الذي يطرحه الشارع الأردني مشروعاً: هل يستطيع مجلس النواب خلال ما تبقى من عمره أن يعيد بناء الثقة، ويثبت أن التجربة البرلمانية تسير في الاتجاه الصحيح؟

الإجابة لن تكون في التصريحات، بل في الأداء. فالمواطن الأردني أصبح أكثر وعياً، وأكثر قدرة على التمييز بين الخطاب والإنجاز، وبين الحضور الإعلامي والأثر الحقيقي. وفي نهاية المطاف، سيبقى المعيار واحداً: ما الذي قدمه مجلس النواب للوطن، وما الذي حققه للمواطن؟

رئيس مجلس محافظة العقبة سابقاً