نبض البلد - منذ اندلاع المواجهة الأميركية الإيرانية، وجدت دول عربية، وفي مقدمتها الأردن ودول الخليج، نفسها هدفاً مباشراً للضربات الإيرانية تحت ذرائع متعددة، تارة لأنها تستضيف قواعد أميركية، وأخرى أنها ساعدت أميركا، أو لأنها اعترضت الصواريخ والمسيّرات الإيرانية، وهذه الذرائع تحتاج إلى التوقف عندها ومراجعتها.
فوجود قواعد عسكرية أجنبية على أراضي دولة ما هو إلا قرار سيادي، ولا يمنح أيّ دولة ثالثة حق الاعتداء عليها، ولو أصبح هذا المنطق مقبولاً، لكان من حق روسيا مهاجمة جميع الدول الأوروبية الداعمة لأوكرانيا، وهو ما لم يحدث، لأن العلاقات والتحالفات العسكرية تظل شأناً سيادياً لا يبرر العدوان، بالإضافة إلى ردع الناتو.
وفي الحالة الأردنية، يصبح الادعاء الإيراني أكثر هشاشة، فالوجود الأميركي في الأردن ارتبط بالحرب على الإرهاب وتنظيم داعش ودعم الاستقرار في سورية والعراق، ولم تثبت أي جهة دولية مسؤولة أن الطائرات الأميركية التي قصفت إيران انطلقت من الأراضي الأردنية، بل أعلنت واشنطن أن الجزء الأكبر من القاذفات أقلع من الولايات المتحدة، فيما نُفذت عمليات أخرى من البحر أو من مواقع لم يُكشف عنها.
كما ادّعت طهران أن الأردن اعترض الصواريخ دفاعاً عن إسرائيل، وربما راقت هذه الرواية لبعض المتحمسين عندما كانت المواجهة الإيرانية الإسرائيلية محتدمة، لكن الوقائع اللاحقة أسقطت هذا الادعاء، فبعد توقف المواجهة المباشرة بين إيران وإسرائيل، عادت طهران لتستهدف الأردن، إلى جانب البحرين والكويت وقطر وعُمان، رداً على الضربات الأميركية، وهذا يؤكد أن الأردن وهذه الدول، كانت هدفاً بحد ذاتها.
لكن لماذا فضلت إيران استهداف الدول العربية بدلاً من السفن والبوارج الأميركية؟ التفسير الأكثر منطقية أنها تدرك أن استهداف الأصول العسكرية الأميركية مباشرة، قد يرافقه سقوط قتلى أميركيين، مما قد يستجلب رداً أميركياً ساحقاً، بينما ضرب دول عربية يحمل كلفة سياسية وعسكرية أقل، رغم أن تأثيره في مسار الحرب محدود، قد تكون هذه الإستراتيجية حققت مكاسب تكتيكية مؤقتة، كتشتيت الدفاعات ورفع كلفة الحرب، لكنها فشلت إستراتيجياً، فبدلاً من إبعاد الدول العربية عن الولايات المتحدة، دفعتها إلى مزيد من التنسيق معها، ورسخت الانطباع بأن إيران أصبحت التهديد الأمني الأكثر خطراً.
وبمراجعة مسار النفوذ الإيراني منذ الثورة الإسلامية، يصعب تجاهل أن الدول التي توسع فيها هذا النفوذ، مثل لبنان والعراق وسورية واليمن، أصبحت أقل استقراراً، صحيح أن مسؤولية أزماتها لا تقع على إيران وحدها، لكن نفوذها كان أحد العوامل الرئيسة التي عمّقت الانقسامات وأضعفت مؤسسات الدولة وأطالت الصراعات فيها.
واليوم يبدو أن الدور جاء على دول الخليج العربي، الذي لا يمثل مجرد منطقة لإنتاج النفط، بل مركزاً رئيساً للطاقة والتجارة والاستثمار العالمي، ويستضيف ملايين العمال العرب والآسيويين الذين تعتمد دولهم على تحويلاتهم المالية، لذلك فإن استهداف الخليج أو تهديد مضيق هرمز لا يهدد اقتصادات الخليج وحدها، بل ينعكس على اقتصادات عربية وآسيوية تعتمد على هذه التحويلات، ويهدد التجارة العالمية وسلاسل الإمداد وأمن الطاقة.
أما الأهداف التي أعلنتها إيران منذ عقود، فتستحق هي الأخرى التقييم بالنتائج، فمنظومة الدفاع المتقدم التي أرهقت المنطقة لم تحمِ إيران، والقضية الفلسطينية لم تقترب من الحل، وإسرائيل لم تصبح أضعف، والشيعة العرب لم يتحولوا إلى مجتمعات أكثر استقراراً وازدهاراً، إذ استفادت جماعات مسلحة بعينها أكثر مما استفاد المواطن العادي، وحتى المواجهة مع «الطاغوت» لم تمنع واشنطن من الاحتفاظ بقدرتها على توجيه ضربات داخل إيران متى شأت، فيما انتهى الأمر بطهران إلى الجلوس معها على طاولة التفاوض.
ولذلك إذا أصبحت الدول العربية هدفاً في كل مرة تتعرض فيها إيران لضربة أميركية، فإن الصمت على ذلك لم يعد خياراً منطقياً، والمطلوب ليس التسرع في الرد العسكري، بل بناء إستراتيجية عربية متدرجة تبدأ بموقف سياسي موحد، وتوثيق الاعتداءات، والتحرك القانوني والدبلوماسي الجماعي، وتطوير منظومة دفاع جوي مشتركة، ورفع كلفة أي اعتداء سياسياً واقتصادياً، مع إبقاء الرد العسكري المتناسب خياراً أخيراً يحفظ مصداقية الردع، كل ذلك لم يعد ترفاً، بل ضرورة إستراتيجية ملحة.
في النهاية، ليس من حق أحد أن يملي على إيران شكل علاقتها بالولايات المتحدة، كما ليس من حق إيران أن تملي على الدول العربية خياراتها وتحالفاتها، لكن المرفوض أن تتحول الدول العربية إلى ساحة منخفضة الكلفة لتبادل الرسائل العسكرية بين طهران وواشنطن، فقبول هذه المعادلة يعني أن تصبح السيادة العربية رهينة للحسابات الإيرانية، وأن يتعرض أمن المنطقة واستقرارها الاقتصادي ومستقبل ملايين البشر للخطر كلما اندلعت مواجهة جديدة، ومن هنا فإن حماية سيادة الأردن ودول الخليج لم تعد شأناً وطنياً فحسب، بل ضرورة إستراتيجية لحماية الأمن العربي بأسره، وكذلك هي مسؤولية دولية لا يمكن القفز عنها.