نبض البلد - البرلمان يشرّع... وبعض النواب خارج المشهد (كواليس أولى الجلسات)
الأنباط _ فايز الشاقلدي
لم تكن أولى جلسات مجلس النواب في الدورة الاستثنائية مجرد اختبار لجدية المجلس في التعامل مع حزمة من القوانين المهمة، بقدر ما تحولت إلى مشهد أعاد إلى الأذهان صورًا طالما أثارت استياء الشارع الأردني، حين يغيب الانضباط البرلماني لصالح الأحاديث الجانبية، والمغادرات المبكرة، والانشغال بأمور لا تمت بصلة للدور التشريعي والرقابي.
الجلسة التي ناقشت مشاريع قوانين ذات أهمية وطنية، كان يفترض أن تعكس صورة مختلفة عن مجلس يدرك حجم التحديات الاقتصادية والسياسية التي تواجه الدولة، إلا أن الوقائع داخل القاعة رسمت مشهدًا مغايرًا؛ فبعد نحو ساعة فقط من بدء الجلسة، غادر ما يقارب 25 نائبًا القاعة، بعضهم فور انتهاء مداخلته، وكأن الحضور اقتصر على تسجيل موقف أو إلقاء كلمة أمام الكاميرات، لا المشاركة الفعلية في مناقشة التشريعات حتى نهايتها.
ورغم أن الجلسة انتهت قبل فقدان النصاب القانوني، إلا أن المغادرات المتتالية أعادت فتح ملف الغياب البرلماني، وطرحت مجددًا سؤالًا بات يتكرر في كل دورة: متى يطبق النظام الداخلي بحزم على النواب الذين يغادرون الجلسات دون مبررات واضحة؟ وكيف يمكن إقناع المواطنين بأهمية المؤسسة التشريعية، إذا كان بعض أعضائها لا يكملون جلسة تناقش قوانين تمس حياة الأردنيين بشكل مباشر؟
ولم يكن مشهد المقاعد التي أخذت تفرغ تدريجيًا هو الملاحظة الوحيدة. فقد طغت الأحاديث الجانبية بين عدد من النواب والوزراء قبل افتتاح الجلسة وأثناء انعقادها، في وقت اضطر فيه رئيس مجلس النواب إلى تكرار الدعوات أكثر من مرة للإنصات إلى المتحدثين وعدم التشويش على مجريات النقاش. إلا أن تلك الدعوات لم تنجح في إعادة الهدوء الكامل إلى القاعة، ما عكس حالة من ضعف الالتزام بأبسط قواعد العمل البرلماني.
أما الهواتف المحمولة، فبدت وكأنها الشريك الدائم في الجلسة. عدد من النواب انشغل بإجراء المكالمات الهاتفية أو الرد على الرسائل النصية تحت القبة، بينما حاول آخرون إخفاء شاشات هواتفهم عن عدسات المصورين، في مشهد يعكس إدراكًا بأن هذه الممارسات أصبحت محل انتقاد الرأي العام، لكنها تستمر رغم ذلك بصورة متكررة.
وإذا كانت القوانين المطروحة تستحق التركيز، فإن بعض المشاهد بدت وكأنها تنتمي إلى مناسبة اجتماعية أكثر منها جلسة تشريعية. فقد انشغل أحد النواب عن محافظة إربد بالحديث عن نوعية و"براند" البدلة التي يرتديها، في وقت كان المجلس يناقش نصوصًا قانونية ينتظرها الأردنيون منذ أشهر. وبين حديث عن الأزياء، وآخر عن الهواتف، وثالث يدور بعيدًا عن جدول الأعمال، بدا أن الاهتمام بالتفاصيل الشخصية نافس الاهتمام بالتشريع نفسه.
المشهد بمجمله يطرح تساؤلات مشروعة حول مفهوم المسؤولية البرلمانية. فالنائب لا يمثل نفسه تحت القبة، وإنما يمثل آلاف الناخبين الذين منحوه ثقتهم على أمل أن يكون حاضرًا في كل نقاش، وأن يشارك في كل تصويت، وأن يدافع عن مصالحهم حتى آخر دقيقة من الجلسة، لا حتى انتهاء كلمته فقط.
الأردنيون لا ينتظرون من نوابهم استعراضًا للحضور، ولا منافسة في الأحاديث الجانبية، ولا انشغالًا بالهواتف أو المظاهر، بل ينتظرون أداءً ينسجم مع حجم التحديات التي تعيشها المملكة. فالمؤسسة التشريعية تستمد هيبتها من التزام أعضائها، ومن احترامهم لوقت المجلس، وللقوانين التي يناقشونها، وللرأي العام الذي يراقب كل تفصيل تحت القبة.
ولعل الرسالة الأهم التي خرجت بها الجلسة الأولى ليست في مواد القوانين التي نوقشت، بل في الحاجة الملحة إلى إعادة الاعتبار لهيبة الجلسات البرلمانية، وتطبيق النظام الداخلي دون استثناء، لأن استمرار مشاهد المغادرة المبكرة، والانشغال بالهواتف، والأحاديث الجانبية، يهدد صورة المؤسسة التشريعية أكثر مما يهدد أي قانون مطروح على جدول الأعمال