نبض البلد - عبير مامي
وجود معايير عادلة لقياس أداء موظفي القطاع العام يعد من أهم الأدوات لترسيخ الإصلاح الإداري ورفع كفاءة أداء الموظف وبالمحصلة رفع كفاءة المؤسسات، غير ان هذ الغاية قد تفقد قيمتها عندما تُعدل النصوص التشريعية وتغدو سبباً في وجود إجحاف في حق الموظف، خصوصاً وأن هذ التعديلات تفتح الباب للطعن في شرعيتها وتؤثر بالمحصلة على كفاءة المؤسسات وأدائها.
لقد جاء نظام إدارة الموارد البشرية لسنة 2024 محدداً درجات تقييم الأداء بصورة واضحة في المادة (31/ج)، وهو النص الذي يفترض أن يشكل المرجعية القانونية التي لا يجوز تجاوزها أو تعديلها إلا بالأداة التشريعية ذاتها. لكن المفاجأة أن تعليمات إدارة وتقييم الأداء لسنة 2024 جاءت بأحكام مختلفة، إذ استحدثت تقديرات تخالف ما جاء في النظام، وفي ذلك مخالفة صريحة لمبدأ دستوري وقانوني راسخ والذي يمكن إيجازه بـ (مبدأ تدرج التشريعات الذي يوجب خضوع التعليمات للنظام لا العكس)، وهذا ما يمس جوهر المشروعية وسيادة القانون.
ولا نتكلم هنا عن الجانب القانوني فقط، بل على الأثر الإنساني والنفسي لهذ المخالفة الذي يعتبر أشد خطورة وأكثر تأثيراً، إذ ترتبط نتائج تقييم الأداء بالمسار الوظيفي، والترقيات والحوافز والمكافآت وفرص التطور المهني للموظف نفسه، فأي خلل في أسس التقييم يعني بالضرورة المساس بحقوق الموظفين وإضعاف الثقة بمنظومة الإدارة العامة.
والأخطر من ذلك أن تطبيق هذه التعديلات أوجد واقعاً يشعر فيه الموظف المتميز بالغبن، عندما يصبح الحصول على تقدير "ممتاز" محدوداً ومقيداً أو حتى شبه مستحيل، وذلك ليس لتدني مستوى أدائه الوظيفي وانما نتيجة لضرورة التقيد بالتعليمات، مما يقود إلى أن تتحول أداة التقييم من أداة للتحفيز إلى أداة ة لإحباط الموظف المجتهد عندما تصبح نتيجة التقييم لكلا الموظف المجتهد والموظف العادي أقرب الى النتيجة ذاتها، مما يؤدي إلى تراجع روح المبادرة والشعور بعدم العدالة، فالموظف المجتهد والمتميز يحرم من التقييم الممتاز بسبب تعليمات تخالف النظام، مما يخلق شعور أن التميز لن يصنع الفرق وان الاجتهاد لا يقود بالضرورة الى التقدير المستحق، وهذه أخطر رسالة يمكن ان تخلقها منظومة إدارية إلى كوادرها البشرية.
الرسالة التي نود أن طرحها هنا إلى أصحاب القرار واضحة وصادقة، إن مراجعة التعليمات ليست تراجعا عن القرار، بل انتصار لسيادة القانون، وتعزيز لثقة الموظف بالمؤسسة التي يعمل فيها، فالإنسان بطبيعته لا يعمل من أجل الراتب فقط، إنما من أجل الاعتراف بجهده وتميزه عن غيره أيضا، وإذا فقد هذا الاعتراف فإنه يفقد الدافع للمبادرة والابداع والتطور، إن الجهات الرسمية التي تقود مشروع تحديث القطاع العام مطالبة اليوم بإعادة النظر في هذه التعديلات، وضرورة الاستماع الى المختصين وإلى المتأثرين من هذه التعديلات وهم العاملين أنفسهم وعلى كافة مستوياتهم الوظيفية تحقيقاً للعدالة، وبما يضمن إنصاف الموظف المتميز وتحقيق الأداء الأمثل لكافة المؤسسات.