من الموارد إلى النفوذ الاقتصادي: ملامح استراتيجية وطنية للصناعات الكيماوية الأردنية 2

نبض البلد -
بقلم : المهندس عميد العابد .
في الحلقة السابقة أشرنا إلى أن الوثيقة المطروحة لتطوير قطاع الصناعات الكيماوية، رغم ما تضمنته من برامج ومبادرات مهمة، بقيت أقرب إلى خطة لتحسين أداء قطاع قائم منها إلى استراتيجية وطنية شاملة قادرة على إحداث تحول اقتصادي حقيقي. واليوم يصبح السؤال الأهم: ما هي الاستراتيجية الوطنية التي يحتاجها الأردن فعلاً في هذا القطاع الحيوي؟

الإجابة تبدأ من نقطة جوهرية؛ وهي أن الدول التي حققت قفزات صناعية كبيرة لم تنطلق من المصانع القائمة، بل انطلقت من مواردها الوطنية وميزاتها النسبية، ثم بنت حولها سلاسل قيمة متكاملة ومشروعات استراتيجية طويلة الأمد.

والأردن يمتلك من المقومات ما يؤهله لأن يصبح مركزاً إقليمياً للصناعات الكيماوية المتقدمة إذا ما أحسن استثمار هذه الموارد ضمن رؤية وطنية موحدة.

إن الفوسفات والبوتاس والغاز الطبيعي وأملاح البحر الميت ليست مجرد مواد خام، بل هي قواعد إنتاجية يمكن أن تنشأ حولها عشرات الصناعات ومئات المنتجات وآلاف فرص العمل. لذلك فإن الرؤية المقترحة يجب أن تقوم على:

"بناء الأردن كمركز إقليمي للصناعات الكيماوية المتكاملة عالية القيمة المضافة، اعتماداً على موارده الطبيعية، وقدراته البشرية، وموقعه الجغرافي، بما يعزز الأمن الاقتصادي والصناعي والغذائي للمملكة.”

ولتحقيق هذه الرؤية، لا بد من العمل ضمن ست ركائز استراتيجية مترابطة.

الركيزة الأولى تتمثل في تعظيم القيمة المضافة للموارد الوطنية. فمن غير المنطقي أن تبقى الموارد الطبيعية الأردنية محصورة في تصدير المواد الخام أو المنتجات الأولية. المطلوب هو الانتقال التدريجي نحو تصنيع المشتقات النهائية والمتخصصة، وتعظيم المحتوى المحلي في كل مرحلة من مراحل الإنتاج.

أما الركيزة الثانية فتتمثل في بناء سلسلة وطنية متكاملة لصناعة الأسمدة. فمع وجود الفوسفات والبوتاس، وما يُتوقع من تطوير إنتاج الغاز الطبيعي في حوض الريشة، يصبح الأردن مؤهلاً لإقامة منظومة إنتاج متكاملة تشمل الأمونيا، واليوريا، وحامض الكبريتيك، وحامض الفوسفوريك، والأسمدة المركبة والمتخصصة، والأسمدة الذكية، بما يجعل المملكة واحدة من الدول القليلة القادرة على إنتاج معظم عناصر صناعة الأسمدة محلياً.

وفي هذا السياق، فإن مشروع الأمونيا واليوريا الوطني يجب أن يكون أحد المشاريع الاستراتيجية الكبرى خلال العقد القادم، لما له من أثر مباشر على الأمن الغذائي، وتقليل فاتورة الاستيراد، وتعزيز تنافسية الصناعات المرتبطة بالأسمدة.

أما الركيزة الثالثة فتتمثل في تطوير الصناعات الكيماوية الوسيطة والمتخصصة. فالقيمة الحقيقية لا تكمن في المواد الأساسية فقط، وإنما في الكيماويات الدقيقة والمتخصصة التي تدخل في الصناعات الدوائية والغذائية والبلاستيكية وصناعات معالجة المياه والطاقة والتعدين. وهنا ينبغي توجيه الجهد الوطني نحو استقطاب التكنولوجيا العالمية، وتوطين المعرفة، وإقامة شراكات استراتيجية مع الجامعات ومراكز البحث العلمي.

الركيزة الرابعة ترتبط بالبحر الميت، الذي يجب أن يُنظر إليه بوصفه مشروعاً وطنياً متكاملاً لا مجرد مصدر لبعض مستحضرات التجميل. فالأردن يمتلك فرصة فريدة لبناء مركز عالمي للصناعات العلاجية والتجميلية القائمة على أملاح وطين البحر الميت، وربط ذلك بالسياحة العلاجية، والبحث العلمي، والاعتمادات الطبية الدولية، بما يعزز مكانة الأردن عالمياً في هذا المجال.

أما الركيزة الخامسة فتتمثل في بناء منظومة وطنية للمهارات والتكنولوجيا. فلا يمكن الحديث عن صناعة كيماوية متقدمة دون كوادر مؤهلة ومراكز تدريب متخصصة. وهنا تبرز أهمية إعادة تفعيل مخرجات مجلس مهارات قطاع الصناعات الكيماوية، وإنشاء أكاديمية وطنية للصناعات الكيماوية والتطبيقات الصناعية، تتكامل مع الجامعات ومؤسسات التدريب المهني والشركات الصناعية.

إن الاستثمار الحقيقي لا يقتصر على المعدات والمباني، بل يبدأ من الإنسان القادر على تشغيل التكنولوجيا وتطويرها وابتكار حلول جديدة تتناسب مع احتياجات السوق.

أما الركيزة السادسة والأخيرة فتتمثل في التكامل الاقتصادي الوطني. فالصناعات الكيماوية ليست قطاعاً معزولاً، بل محركاً لعشرات القطاعات الأخرى. فكل توسع في صناعة الأسمدة أو المنظفات أو الدهانات أو مستحضرات التجميل سينعكس على قطاعات النقل، والخدمات اللوجستية، والتعبئة والتغليف، والصناعات البلاستيكية، والتجارة، والتخزين، والخدمات الهندسية، ومؤسسات التدريب والبحث العلمي.

ومن هنا فإن نجاح هذه الاستراتيجية يتطلب إطاراً مؤسسياً جديداً يضمن تكامل الأدوار بين مختلف الجهات المعنية. ولعل من المناسب التفكير بإنشاء مجلس وطني أعلى للصناعات الكيماوية، يضم الحكومة والقطاع الخاص والجامعات والشركات الكبرى والمؤسسات التمويلية، تكون مهمته قيادة تنفيذ الاستراتيجية ومتابعة مشاريعها الكبرى وربط القرارات التنفيذية بالأهداف الوطنية طويلة المدى.

وفي الجانب الاستثماري، لا يكفي الحديث عن الفرص الاستثمارية بلغة عامة أو أمنيات فضفاضة، بل يجب أن تُترجم هذه الرؤية إلى خرائط استثمارية واضحة ومعلنة، تتضمن حجم الموارد المتاحة، والقيمة المضافة الممكن تحقيقها، والعائد المتوقع، وفرص العمل المستحدثة، وحجم الوفر في المستوردات، وأثر كل مشروع على الاقتصاد الوطني.

فالمستثمر المحلي أو الأجنبي لا يبحث عن الشعارات، وإنما يبحث عن أرقام دقيقة وخطط واضحة ومؤشرات أداء قابلة للقياس.

لقد أثبتت التجارب العالمية أن الثروات الطبيعية وحدها لا تصنع التنمية، وإنما تصنعها الرؤية والإدارة والإرادة. والأردن يمتلك اليوم فرصة تاريخية لإعادة تعريف دوره الصناعي والاقتصادي في المنطقة من خلال قطاع الصناعات الكيماوية، إذا ما توفرت الرؤية الوطنية الشاملة والإدارة المؤسسية القادرة على تحويل الموارد إلى قيمة مضافة، والقيمة المضافة إلى فرص عمل، وفرص العمل إلى ازدهار اقتصادي مستدام.

إن الحديث عن الصناعات الكيماوية ليس حديثاً عن مصانع ومنتجات فحسب، بل حديث عن مستقبل وطن، وعن قدرة الأردنيين على تحويل ما أنعم الله به عليهم من موارد وإمكانات إلى مشروع نهضوي حقيقي يليق بالأجيال القادمة.

فالأردن يستحق أكثر من إدارة الواقع، ويستحق أن نصنع له مستقبلاً يوازي طموحات أبنائه. وما قطاع الصناعات الكيماوية إلا أحد أهم الأبواب التي يمكن أن نعبر منها نحو هذا المستقبل.