نبض البلد - ميناس بني ياسين
لم تعد كرة القدم الحديثة مجرد لعبة تقوم على الموهبة والمتعة والدهشة بل تحوّلت تدريجيًا إلى منظومة استهلاكية ضخمة تُدار بمنطق السوق لا بمنطق الإنسان؛ ضغط المباريات المتواصل والإصابات العضلية المتكررة وارتفاع درجات الحرارة القياسية، إلى جانب احتقان جماهيري متصاعد، جعلت اللاعب يقف في قلب دوامة متشابكة، الحلقة الأضعف في منظومة تُستنزف حتى آخر قطرة وجسد اللاعب أصبح اليوم عملة تُستغل لتحقيق الأرباح، والمنافسة لا تعرف هوادة، سواء على صعيد البطولات المحلية أو الدولية.
خلال العقد الأخير ارتفع عدد المباريات التي يخوضها اللاعب المحترف بشكل حاد نتيجة تضخم عدد البطولات وزيادة المنتخبات في المسابقات الدولية إضافة إلى توسع البطولات القارية وظهور بطولات جديدة بالكامل وفي أوروبا يصل عدد مباريات بعض اللاعبين إلى أكثر من سبعين مباراة في الموسم الواحد، دون احتساب فترات السفر الطويلة والتدريبات المكثفة والالتزامات الإعلامية؛ دراسة منشورة في British Journal of Sports Medicine أكدت أن اللعب بمعدل مباراة كل 72 ساعة يرفع خطر الإصابات العضلية بنسبة تصل إلى 40%، مما يجعل الإرهاق ليس احتمالًا، بل نتيجة حتمية في هذا الواقع المرهق.
الدكتور أندرياس شميت اختصاصي الطب الرياضي في ألمانيا أكد أن "اللاعبون المعاصرون يعيشون ضغطًا بدنيًا ونفسيًا غير مسبوق، وكثافة المباريات تقصّر عمر المسيرة المهنية وتزيد من خطر الإصابات المزمنة".
الإصابات لم تعد حالات فردية أو استثناءات بل أصبحت ظاهرة موسمية متكررة تؤثر في الأداء والمسيرة المهنية للاعبين، تمزقات العضلات وإجهاد مزمن وإصابات الأربطة والارتجاجات الدماغية هي علامات يومية يعاني منها المحترفون ومتوسط أيام الغياب بسبب الإصابة ارتفع بنسبة 28% خلال السنوات الخمس الأخيرة، والإصابات العضلية تمثل أكثر من 60% من مجموع الإصابات ومن المفارقات أن برامج التأهيل صارت أسرع، لكن فترات الراحة أقصر، ما يجعل اللاعب يدخل حلقة مغلقة من إصابة إلى عودة سريعة، ثم ضغط جديد يؤدي إلى إصابة أخرى.
أمثلة عدة تظهر هذا الواقع بشكل صارخ مثل معاناة النجم الإيطالي ماركو فيراتي في باريس سان جيرمان، الذي أصيب أكثر من خمس مرات في الموسم الماضي بسبب كثافة المباريات والضغط البدني، أو إصابة الألماني توماس مولر المتكررة التي قلصت مشاركته في مباريات حاسمة بالدوري الألماني والدوري الأوروبي.
سارة جونسون خبيرة الصحة والرياضة في جامعة مانشستر قالت في تصريح لها: "الضغط النفسي الناتج عن توقعات الجمهور والإعلام أصبح عاملًا يفاقم التعب البدني، إدارة البطولات يجب أن تعيد ترتيب الأولويات: صحة اللاعب قبل الأرباح".
وفي سياق الحديث عن العبء البدني الذي يتحمله اللاعبون في كرة القدم الحديثة تبرز حالة الأوروجوياني فيديريكو فالفيردي في ريال مدريد كأحد أبرز الأمثلة على الدفع الجسدي العالي الذي يفرضه نظام المنافسات الأوروبي، فالفيردي البالغ من العمر 27 عامًا شارك بانتظام مع الريال هذا الموسم في أكثر من 22 مباراة في الدوري الإسباني حتى الآن إضافة إلى مشاركاته في دوري أبطال أوروبا وليغا وكأس الملك، حيث يصل إجمالي مشاركاته إلى نحو 23–24 مباراة مع النادي في الموسم الحالي (دقائق لعب تتجاوز 1900 دقيقة في الليغا وحدها) إضافة إلى تمريرات حاسمة وعدد من الأهداف التي تبرز دوره المحوري في خط الوسط، مع معدل أساسي في أغلب المباريات التي شارك فيها أساسًا، ما يضع عليه ضغطًا بدنياً وتكتيكياً متواصلًا في المراكز المحورية داخل تشكيلة الفريق وهذه المشاركات العالية تُظهِر تحمّل اللاعب لمسؤوليات مضاعفة، خاصة مع الضغط الناتج عن كثافة المواسم الأوروبية والتوقعات الفنية من الجهاز الفني بإشراكه بشكل مستمر، خاصة في مباريات الحسم المحلي والقاري.
وعلى الجانب الآخر وفي بيئة كرة القدم السعودية نجد في النصر السعودي مثالاً ملموسًا في لاعب مثل جواو فيليكس، الذي يعد أحد العناصر الأساسية في تشكيلة الفريق العاصمي هذا الموسم سجل حتى الآن في الدوري السعودي للمحترفين لهذا الموسم 13 هدفًا تقريبًا وكان من أبرز المساهمين في الأداء الهجومي للنصر، وذلك في عدد مباريات أقل من مثيله في أوروبا لكن ضمن جدول منافسات محلي مكثف يتضمن الدوري وأدوار بطولات قارية مثل دوري أبطال آسيا ومنافسات الكؤوس المحلية.
وإسهامات فيليكس تشمل تمريرات حاسمة متعددة وكان من أبرز صناع اللعب في النصر رغم أن التفاصيل الدقيقة حول عدد إصابات محددة لهذا الموسم غير موثقة بوضوح في المصادر المفتوحة، إلا أن العبء البدني يشمل أيضًا السفر الطويل للمباريات القارية وأدوار الفريق في أكثر من مسابقة، ما يفرض على اللاعبين السعوديين أيضًا ضغطًا جسديًا ونفسيًا ملحوظًا.
المقارنة بين الحالتين تظهر أن فالفيردي يتعامل مع عبئ كبير ضمن واحدة من أكثر الدوريات تنافسية في العالم حيث مشاركاته المتكررة في الدوري الإسباني وقاريًا (دوري أبطال أوروبا) تتطلب منه معدلات لعب عالية جدًا ومتطلبات بدنية تكتيكية وتنافسية مستمرة، بينما فيليكس مع النصر السعودي يتعرض لعبء عناصر هجوم الفريق في سياق بطولات محلية وقارية متنوعة، ما يعكس أن العبء البدني لا يقتصر فقط على الدوريات الأوروبية الكبرى، لكنه يظهر بصورة مختلفة في بيئات كرة القدم الأخرى التي تتنافس على الصعيد المحلي والقاري أيضًا.
وأما التغير المناخي فـ أضاف طبقة جديدة من التعقيد على صحة اللاعبين فـ ارتفاع درجات الحرارة وموجات الحر المستمرة والرطوبة العالية والعواصف المناخية المتطرفة فرضت واقعًا جديدًا على الملاعب.
في صيف 2025 تم إيقاف أو تأجيل أكثر من ثلاثين مباراة حول العالم بسبب الحرارة أو العواصف، وسُجّلت حالات إنهاك حراري حاد بين لاعبين محترفين في عدة بطولات ما جعل بعض الفرق تلجأ إلى تبديلات عاجلة لتفادي الإصابات، والتحذيرات الطبية واضحة؛ اللعب في حرارة فوق 32 درجة مئوية يضاعف خطر الجفاف والتشنجات العضلية واضطرابات القلب، ومع ذلك تستمر المباريات دون تأجيل، لأن عقود البث والإيرادات لا تنتظر الطقس.
والجماهير التي كانت يومًا وقود اللعبة وجمالها تعيش اليوم حالة توتر غير مسبوقة، ضغط النتائج والتنافس المحموم والتضخيم الإعلامي المستمر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، جعل المدرجات بيئة مشحونة نفسيًا، واللاعب محاصر بين ضغوط بدنية ونفسية وجماهيرية وإن ارتفاع مخالفات الشغب بنسبة 22% خلال الموسمين الأخيرين وتصاعد الهتافات العنصرية والعنيفة في بعض الدوريات الأوروبية يعكس حجم الاحتقان الجماهيري وتأثيره المباشر على اللاعبين.
كرة القدم اليوم أصبحت صناعة ضخمة بإيرادات تتجاوز 60 مليار دولار سنويًا تشمل حقوق البث والإعلانات والرعايات والجولات العالمية والبطولات الجديدة وهذا التوسع خلق سباق أرباح لا يتوقف غالبًا على حساب صحة اللاعبين وجودة الأداء والمتعة الحقيقية للعبة السؤال الأخلاقي الكبير الذي يطرحه الواقع اليوم: هل ما زالت كرة القدم لعبة أم تحولت إلى ماكينة استهلاك بشري؟
ورغم إدخال بروتوكولات إصابات الرأس والتبديلات الطبية وفترات التبريد وتقنين زمن اللعب الفعلي، تبدو هذه الإجراءات إسعافية أكثر من كونها علاجية وأصل الأزمة كثافة المباريات، لم يُمس بعد والضغط على اللاعبين مستمر بلا هوادة اللاعب لم يعد محور اللعبة، بل أصبح وقودها مطلوب منه أن يكون آلة، أن يتحمّل، أن يركض، أن يربح وأن يصمت، بينما جسده له حدود ونفسه لها سقف، إذا لم يُعاد التفكير جذريًا في شكل البطولات وعدد المباريات وأولوية صحة اللاعب، فإن كرة القدم تخاطر بخسارة أهم عناصرها، الإنسان نفسه.